فهرس الكتاب

الصفحة 11417 من 23694

في هذه الصورة توحيد بين الحمر الوحشية والإبل المسلوبة، فالإبل المسلوبة إنما سلبها قوم مغيرون، في حين أن الحمر الوحشية سلبها الظمأ المرير الذي تعانيه فأوردت نفسها مورد التهلكة، أو كادت، ولذلك تبدو الظروف المحيطة بالصورتين واحدة فالأولى (الإبل) قادها المغيرون بعيدًا عما تألف من الأمكنة لتعاني تجربة مريرة تتمثل في النفر والطرد، والثانية (الحُمُر) قادها العيش بعيدًا عن الموضع الذي ألفت لتعاني تجربة الخوف وحس الموت البارزين في مشهد الصيد، وفي هذه الرؤية الكونية للموجودات تبدو المعاناة واحدة بين الكائنات الحية وإن اختلفت الوسائل والدوافع (الطرد للإبل، القنص للحمر) . ... دوارج المور والأمطار والحِقَب (36)

ولكن ثمة سؤال مطروح.

ما الغاية المرجوة من هذا التوحيد الكوني بين الموجودات؟

بتعبير آخر:

ما دلالات هذه الظاهرة؟

تطول الإجابة، ولكن يمكنني القول بإيجاز: إن رؤى ذي الرمة الكونية للمكان -والممثلة بإجراء المبادلات الحية بين الموجودات السماوية والأرضية رؤية كونية- لدليل واضح على محاولته تعميم الإحساس بالمكان من جهة، وبموجودات ذلك المكان من جهة أخرى، وهذا التعميم واضح في رؤى كونية شمولية واسعة الآفاق، تحطم الحدود الطبيعية الجغرافية للمكان، كما تحطم الاستقلالية المزعومة لموجوداته.

خامسًا- تعميم التجربة الشخصية مكانيًا:

يبرز تعميم التجربة الشخصية مكانيًا كأحد أهم وظائف الصورة المكانية في شعر ذي الرمة، ويمكننا رصد هذه الظاهرة في شعره على صعيدين اثنين:

أولهما: تعميم التجربة الشخصية على المكان (ظاهرة تعدد الأمكنة واتساعها) .

ثانيهما: تعميم التجربة الشخصية على الموجودات المكانية، ويتجلى في ثلاث ظواهر:

آ-تعميم الارتباط المكاني على الموجودات المكانية الحية.

ب-تعميم القلق الذاتي على الموجودات المكانية الحية.

جـ-تعميم الصراع الإنساني على الموجودات المكانية عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت