فهرس الكتاب

الصفحة 11418 من 23694

1-تعميم التجربة الشخصية على المكان (ظاهرة تعدد الأمكنة واتساعها) :

إن كثرة أسماء الأمكنة في صور ذي الرمة لدلالة واضحة على ما تحمله من بذور أولية لتعميم التجربة بالشخصية على المكان. إن ذا الرمة حينما يصر على تعددية المكان في صوره المكانية إنما يعبّر بذلك عن تجربة شخصية ذاتية مشاكلة لواقع المكان، وغالبًا ما تكون تجربة الحرمان الشخصي، مقابل واقع الخلاء المكاني مقترنًا بالعفاء والقِدم، والغريب في الأمر حقًا أن ذا الرمة يربط اسم محبوبته (مي) -والتي أميل إلى الاعتقاد بأنها (الخرقاء) نفسها (35) - بأسماء أمكنة يضيق المقام عن ذكرها، فهل يُعقل أن تكون هذه الفتاة المعشوقة قد قطنت مع قومها هذا الكمّ الوافر من الأمكنة التي ادعى ذو الرمة أنها أطلال مية الخرقاء؟!.

بالطبع هذا أمر محال، ولكن الرجل كان مدفوعًا تعميم تجربة الحرمان على أمكنة بعضها سكنتها مية حقًا ثم ارتحلت عنها، وبعضها مرت بها وما سكنت فيها، وبعضها الثالث تهيأ للشاعر أنها ديار مية عن عمد منه في هذا التهيؤ لمشاكلة هذا الضرب من الأماكن لمنازل مية في الخلاء والعفاء اللذين عاينهما الشاعر في أطلال كانت ديارًا لمية، ومروره بما شابهها من الديار ذكّره منازل الحبيبة فعمم تجربة الحرمان الشخصية على المكان المشاكل.

ويلاحظ القارئ في ديوان ذي الرمة أن الأمكنة في نصوصه غالبًا ما يأتي تحديدها على الإيهام، لا على الإثبات، أي أنه لا يحدد -على الغالب- درامية تحديدًا جغرافيًا دقيقًا مطابقًا للواقع، بل يأتي بها على نمطين:

-النمط الأول: يُحَدد فيه المكان إيهامًا على السعة والامتداد.

-النمط الثاني: يُحَدد فيه المكان إيهامًا على التعدد والكثرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت