فهرس الكتاب
من نماذج النمط الأول -نمط السعة والامتداد- ما نجده من تعميم للتجربة العاطفية من نطاقها الطللي الضيق إلى النطاق الصحراوي الممتد- صحراء الدهناء- فيكون تحديد الطلل في الصورة الطللية على الإيهام رغبة من الشاعر في تعميم التجربة مكانيًا:
بجانب الزُّرق لم تطمس معالمها
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عُجْم ولا عرب
إن (الزّرق) هو المكان الوحيد المذكور في مقدمة لوحة ذي الرمة البائية والتي وقف فيها مليًَّا على طلل المحبوبة مية، فإذا ما تتبعنا موضع (الزّرق) وجدناه اسمًا لأكثبة رمال معينة متوضعة في صحراء الدهناء (37) ، وهذا لون من التحديد المكاني على الإيهام تصعيدًا لتجربة الحرمان، لتشمل المكان الأكثر امتدادًا -الصحراء الدهناوية- ولاسيما أن طيف الحبيبة كان يتردد عليه في رحلاته الصحراوية، فكأنما الدهناء هي الدار الطيفية للمحبوبة على نحو ما نجد -مثلًا- في أبيات تلي البيتين السابقين: ... به التنائف والمهريّة النُّجب (38)
زار الخيال لميّ هاجعًا لعبت
معرِّسًا في بياض الصُّبح وقعتُه ... وسائر الليل إلا ذاك منجذب
أخا تنائف أغفى عند ساهمه ... بأخْلَق الدَّفِّ من تصديرها جُلَب
وأما النمط الثاني الذي اتبعه ذو الرمة في تعميم التجربة الشخصية؛ فهو تحديد المكان إيهامًا على التعدد والكثرة، وهو النمط الغالب في شعره، ونماذجه كثيرة جدًا، لنتأمل منها -على سبيل المثال- النموذج الصوري التالي: ... سافي العَجَاج على ميْثَائها الكدرا (39)
يا دار ميّة بالخَلْصاء غيَّرها
قد هِجْت يوم اللوى شوقًا طرفت به ... عيني، فلا تُعجمي من دوني الخَبَرا
يقول بالزَّرق صحبي إذ وقفت بهم ... في دار ميَّة استسقى لها المطرا:
لو كان قلبُك من حجر لصدَّعه ... هِيْجُ الديار لك الأحزان والذِّكَرا