فهرس الكتاب

الصفحة 11421 من 23694

ومن ضروب تعميم التجربة الشخصية إسقاط ظاهرة الارتباط الشخصي بالمكان على أشد الحيوانات لصوقًا بالشاعر، وأولها أهمية من بين الموجودات الصحراوية الحية بالنسبة للإنسان، وهي الناقة، رفيقة دربه الموحش في صحراء قاسية شاسعة ممتدة الأطراف. فمن الملاحظ أن ذا الرمة يسقط ارتباطه بالمكان الطللي على ناقته، بل إنه يُبالغ في تقصي أبعاد الإسقاط الصوري، فيقوم مقام الصاحب المواسي الذي يدعو صاحبه -وهو الناقة هنا- إلى الاصطبار والتأسي، فكلاهما في الحنين سواء:

أرى ناقتي عند المُحَصَّب شاقها

فقلت لها: قرِّي، فإن ركابنا ... وركبانها من حيث تهوين نُزَّع

وهُنّ لدى الأكوار يُعكسْن بالبُرى ... على غرض منا ومنهنَّ وقَّع

فلما مضت بعد المُثنَّين ليلة ... وزاد على عشر من الشهر أربع

سَرَت من منى جُنح الظلام فأصبحت ... ببيسان أيديها مع الفجر تلمع

وتتأكد أواصر الارتباط بين الحنينين -الإنساني والحيواني- برباط (الأهل) ، فالشاعر يحن إلى الأهل والأحبة، وللناقة -في رؤى الشاعر- من الأهل من تحن إليهم، والرابط بين الحنينين وحدة المكان -زرق الدّهناء-: ... وأنّى الهوى من صوتها المُتَرنّم (42)

تحن إلى الدّهناء بخفَّان ناقتي

إلى إبلٍ بالزُّرق أوطان أهلها ... يَحُلُّون منها كل علياء مَعْلَم

ب-تعميم القلق الذاتي على الموجودات المكانية الحية. ... بنبأة الصوت ما في سمعه كَذِبِ (43)

تبرز ظاهرة إسقاط القلق الذاتي والهواجس النفسية على حيوان الصحراء كبعد ثان من أبعاد تعميم التجربة الذاتية على الموجودات المكانية، ويمكننا أن نلمس هذه الظاهرة- على سبيل المثال- في مشهدي حمار الوحش والثور الوحشي من قصيدة ذي الرمة البائية، حيث يسقط ذو الرمة مخاوفه وهواجسه النفسية على هذين الحيوانين من حيوان الصحراء، ففي مشهد الثور الوحشي يبدو هذا الثور وقد سيطرت عليه المخاوف الليلية التي تكاد تكون تعبيرًا عن مخاوف ذي الرمة وهواجسه نفسها:

وقد توجَّس رِكْزًا مُقْفِر نَدسٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت