فهرس الكتاب

الصفحة 11423 من 23694

إن فكرة الصراع الإنساني حقيقة واقعة لابد أن تتداعى للشاعر حينما يلمح الصراع بين الحيوان (صراع الثور مع الكلاب) ، وصراع الحيوان مع الإنسان (صراع الحمار الوحشي مع الصائد) ، فضلًا عن صراع المكان مع عوامل التعسفية الطبيعية (أثر الرياح الرملية والأمطار الغزيرة في الطلل) ولهذه النماذج من الصراعات أمثلة صورية كثيرة في شعر ذي الرمة، بعضها أشرنا إليه سابقًا، والملفت للنظر في الصور المكانية التي تقوم على تعميم فكرة الصراع الإنساني على الموجودات أن قوة الحياة هي المسيطر، في حين أن قوة الموت تضمحل وتتلاشى، إن ذا الرمة يدرك أن فكرة الصراع هي جوهر الحياة الذي تقوم به، ولكن تعلقه بالحياة يدفعه إلى تغليبها على قوة الموت في سلسلة من الصراعات المختلفة، ولذلك كانت كلاب الصيد -كرمز للموت- تُقتل (45) ، كما كان الصائد -كرمز للموت أيضًا- يفشل ويعقب فشله في إفناء المكان وتعفيته عفاء تامًا يبدو معهما المكان مجهولًا لا يمكن للشاعر تمييزه عن غيره من الأمكنة، وأزعم أن ذا الرمة قد جسد في صراع الحيوان مع الحيوان تارة، وصراع الحيوان مع الصائد تارة أخرى؛ تجربته الشخصية الممثلة بصراعه مع بني امرئ القيس مما نلمسه في نصوصه الشعرية (47) . أما أن يقال: إن مشهد الثور الوحشي -على سبيل المثال- جاء لمجرد القص في معرض الصورة الفنية تعزيزًا لفكرة سرعة الناقة التي يصفها ذو الرمة في افتتاحيات قصائده بعد انصرافه عن الطلل؛ فذلك زعم سطحي يجرد الأدب من حيويته وفنيته، كما يجرد الصورة من دلالاتها الأخرى، فصورة الثور الوحشي في مشهد الصيد -وكذلك الأمر بالنسبة لمشاهد الصيد جميعها- ماهي في أعمق المشابهة بين سرعة الناقة في الرحلة وسرعة الثور الوحشي أثناء الكر والفر في معركته مع كلاب الصيد، ولكن الاقتصار على هذه الدلالة يعني تغييبًا لغيرها من الدلالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت