فهرس الكتاب

الصفحة 11436 من 23694

لقد كان أبو تمام إذًا واحدًا من الأعلام الأفذاذ في الشعر والأدب، التقت في شخصيته الأدبية تيارات ثقافية متنوعة كان المجتمع العربي إبان العصر العباسي يتفتح عليها ويغتني بكنوزها، فنهل من الثقافة العربية علوم القرآن والحديث واللغة والمنطق وعلم الكلام، بالإضافة إلى الموروث الشعري الذي جمع ألوان الحكمة وفنون البيان، ونهل من الثقافة اليونانية الفكر الفلسفي بما فيه من جدل عقلي ومطارحات ذهنية، فظهر ذلك كله جليًا في مذهبه الشعري من حيث احتفال شعره بالمعاني المكثفة مما يحتاج إلى استنباط وشرح وتفسير، فخرج بذلك عن مذهب الطبع والعفوية إلى مذهب الصنعة والتحكم العقلي، وتروي كتب الأدب أنه كان رجلًا يعد لمواهبه كل ما تحتاجه من خبرة علمية ومعرفة فكرية، فغري بالكتب والمطالعة وعمق صلته بكل ما يمت إلى فن الشعر ويقوي الملكة ويرفد الموهبة، يقول ابن المعتز وهو يترجم لأبي تمام في طبقاته:"حدثني أبو الغصن محمد بن قدامة قال: دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيها فما يكاد يرى، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلي وسلم علي، فقلت له: يا أبا تمام، إنك لتنظر في الكتب كثيرًا وتدمن الدرس، فما أصبرك عليها! فقال: والله مالي إلف غيرها ولا لذة سواها، وإني لخليق أن أتفقدها أن أحسن، وإذا بحزمتين واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله، وهو منهمك ينظر فيها ويميزهما من دون سائر الكتب، فقلت: فما هذا الذي أرى من عنايتك به أوكد من غيره؟ قال: أما التي عن يميني فاللات، وأما التي عن يساري فالعزى أعبدهما منذ عشرين سنة، فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني وعن يساره شعر أبي نواس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت