وهكذا فإنه ينبغي -على حد رأي أبي العلاء- على اللغة أن تفسر وتعلل وتشرح العملية الشعرية بشكل علمي. لقد أراد أبو العلاء الدراسات اللغوية معيارًا علميًا ذا بعد موضوعي Objectivity وكأنه يريد الدراسات اللغوية أن تبتعد عن الأهواء الشخصية والنزعات الفردية Subjectivity.
وكأن أبا العلاء في دعوته هذه يشبه عالم اللسان الأمريكي تشومسكي ودعوته الدراسات اللغوية القائمة على معايير علمية بحتة مبتعدة عن الأهواء الشخصية والفردية.
إن الفرق بين أبي العلاء وتشومسكي هو أن أبا العلاء أراد أن يدل على ذلك من خلال المناقشات والحوارات التي كانت تجري بين علماء اللغة والشعراء... بين الدراسات اللغوية القائمة على أسس فردية شخصية في بعض الأحايين وبين العملية الشعرية المصوغة بتركيب لغوي. وبعبارة أخرى لقد طرح أبو العلاء علمية الدراسات اللسانية من خلال إطار فني خيالي صاغه في"رسالة الغفران". ولكن عالم اللسان الأمريكي تشومسكي أراد أن يدل على علمية الدراسات اللغوية اللسانية من خلال الأسلوب العلمي المباشر ومن خلال نظرية لسانية قائمة على أسس بيولوجية وفيزيائية ورياضية.
وبعبارة أخرى لقد طرح تشومسكي علمية الدراسات اللسانية من خلال إطار فلسفي ذهني ذي بعد بيولوجي وفيزيائي ورياضي.
والواقع لقد أكد أبو العلاء المعري على معيار الدقة والضبط العلمي في الدراسات اللسانية من خلال المناقشات والحوارات التي كانت تجري بين علماء اللغة وبين الشعراء.
لقد حاول أبو العلاء تشخيص الصراع الدائر بين الدراسات اللغوية الشخصية والفردية وبين الموضوع الشعري تشخيصًا رائعًا بلغ ذروته في هذا الحوار: