فهرس الكتاب
-التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي وبخاصة كتاب الشعر لأرسطو قد أولاه العرب كبير عناية وعلقوا عليه كبير شأن. منذ أن نقله أبو بشر متى بن يونس (ت 328هـ/940م) ثم تلفقه فلاسفتهم فلخصوه تلخيصًا مخصوصًا (10) ، رأى فيه أ كثر من محقق وباحث من المعاصرين لبسًا أو خطأ وسوء تقدير في الترجمة (11) . وإذا كانت مقاربتنا هذه لا تتخذ هذه المسألة مدارًا رئيسًا لها، وليس في موضوعنا، ما يسوغ الخوض فيها من مجتمع أطرافها، وإذا كان من حق الباحث أن لا يسكت عنها ويتغاضى، إذ لابد في نقل النصوص وتأديتها من تمام المادة كما أرادها المؤلف، فإننا نحب أن ننبه على أن المنهج العربي في تعاطي كتاب الشعر لأرسطو، لم يكن واحدًا على تعاقب العصور، فقد اختلف العرب المسلمون في ذلك تبعًا لمحدودات تاريخية وثقافية تتحدر في الأغلب الأعم من خارج النص. أي أن الموقع من النص هو الذي جعلهم يتدبرونه على تلك الهيئة المخصوصة التي يرى فيها البعض اضطرابًا كأشد ما يكون الاضطراب والتباسًا كأشد ما يكون الالتباس (12) ، ولنا أن نرى فيها طريقة مرنة في أداء النص المرجع لا تعتقل ملكات الإنسان ولا تصادر حقه في استئناف القراءة من داخل مصادر ثقافته ومراجعها، وعلى مقتضى أصولها وأدواتها، بما يحفظ للنص طابعه المرجعي ووسيع إمكاناته في النماء وفي تقبل تجارب شعرية أخرى غير تلك التي صدر عنها أرسطو، وإلا فقد انتفى النفع منه. ولنا في كتاب الشفاء (13) وفي المنهاج ما يعزز وجاهة هذا الطرح، ويجعلنا نتنبه إلى الكيفية التي يمتد بها مفهوم الشعر من دائرة المنطق والفلسفة إلى رحاب فن القول عند العرب، فابن سينا يقول في خاتمة تلخيصه:"هذا هو تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من (كتاب الشعر) للمعلم الأول. وقد بقي منه شطر صالح. ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق. وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان، كلامًا شديد التحصيل والتفصيل..." (14) .