فهرس الكتاب

الصفحة 11624 من 23694

لعل القرطاجني أن يكون أكثر النقاد العرب نباهة في تشريده على الآصرة التي تربط بين التخيل والتخييل، أي بين التشكيل الذي تبدعه قوة الشاعر الخالقة من خلال تصورها المخصوص للعالم الخارجي من جهة، والأثر الذي يحدثه هذا التشكيل في نفس المتلقي من أخرى. والقرطاجني يميز هذا من ذاك ولكنه لا يفصل بينهما. وإذا فعل فإنما لضرورة منهجية يمليها فكر مصنف. ومن سمات هذا الفكر أن يضع الحدود والقواعد ويكشف التعارضات والتقابلات، ففي التفكك الواضح الذي تقدمت الإشارة إليه نظام خفي يشد بعضه بعضًا وتتآزر عناصره تآزرًا مثيرًا في نسيج من لغة"مفهومية"صارمة، فليس الشعر عنده استجابة لأهواء مكظومة أو لمشاعر محبوسة وإنما هو علم مضبوط وصناعة أي قواعد وأدلة وملكة حاصلة بالتمرن، لولاها ما كان للشاعر سلطان على لغته ولا على قصيدته، ولربما كان القرطاجني وهو المأخوذ بهاجس التأسيس، يدرك أن الوعي بالشعر وعي بموضوع أو بمادة تنفلت أبدًا من ذاتها فلابد لعقل مكوناتها وبواعثها الخفية من هدم بنائها المتعاضد ونظامها المتماسك، فاستصفائها فصياغتها صياغة جديدة تردها إلى أصولها وتقوي الإحساس بها. وبسبب من هذا المنهج لم يكن بميسوره أن يفصل بين ماهية الشعر ومقصديته، ما دامت الماهية"تعمل"في مستويين متعاقدين: مستوى التخيل ومستوى التخييل. وليس في حد الشعر عنده ما يغلب أحدهما على الآخر، بل إن الثاني ليس ناجمًا عن الأول كما ينجم اللاحق عن السابق أو النتيجة عن المقدمة، على قدر ما هو مصاحب له وهو ينشأ ويتشكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت