يقول القرطاجني في حد الشعر واصلًا كلامه بكلام قدامة (ت 337هـ) والماهية بالمقصدية:"الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه والهرب منه بما يتضمن من حسن تخييل له ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو بمجموع ذلك، وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوى انفعالها وتأثرها... فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته وهيئته وقويت شهرته أو صدقه أو خفي كذبه وقامت غرابته" (23) . ويقفو آثار ابن سينا فيعد الأقاويل الشعرية قسمًا من المقولات قد تكون مقدماتها صادقة أو كاذبة. وربما يشفع له في هذه التسوية أن الشعر عنده إنما يدور على الكلام من حيث هو مخيل أو مقدمات مخيلة فـ"الشعر كلام مخيل موزون مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك والتئامه من مقدمات مخيلة صادقة كانت أو كاذبة، لا يشترط فيها بما هي شعر، غير التخييل" (24) . وهذان مفهومان للشعر لا يتعارضان بل هما يتواصلان ويتناديان في أمور كثيرة، من أبرزها هذه المصطلحات التي يديرها القرطاجني، فهي ترجع، برغم انتمائها إلى الفلسفة والمنطق صياغة، إلى منبت البلاغة العربية، والقرطاجني يحرص حرصًا شديدًا على إثبات الأصل البلاغي في ما يضع من قواعد ويستخلص من ضوابط، لأن البلاغة عنده إنما هي العلم الكلي الذي يندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب بين المسموعات والمفهومات (15) . وصناعة البلاغة تقتضي عنده أن ينظر إلى الألفاظ من حيث دلالاتها على ما في الذهن وعلى ما في خارج الذهن وعلى موقعها من النفوس وتأثيرها فيها. فبذلك يعرف إن كان الكلام قد طابق مقتضى الحال أو خالفه.