فهرس الكتاب

الصفحة 11626 من 23694

وهذه الصناعة تقتضي أيضًا أن ينظر إلى المعاني من حيث هي حقائق موجودة في الأعيان وصور قائمة في الأذهان، فلها وجود في ذاتها أي خارج الذهن، ووجود من جهة المكتوب ووجود من جهة الملفوظ. وبما أن التخيل عنده هو عملية تأليف بين الأعيان وإعادة تنظيمها وتنسيقها في هيئات تتفق وخصائصها العرضية أو الثابتة، وهي هيئات قد تكون مستجدة لم يدركها الحس من قبل، فإن مصطلح التخيل، فيما نرجح، يكاد يكون عنده مرادفًا لمصطلح المحاكاة الذي يديره في منعطفات كثيرة من كتابه. وهذا المصطلح يحيلنا على مباحث التشبيه والوصف والاستعارة عند البلاغيين (26) . ذلك أن القرطاجني يحلل طبيعة التخيل أو المحاكاة على أسس من هذه الفنون موضوعًا وشواهد، ويقسم المحاكاة إلى تشبيهية وخيالية: فمرد الأولى إلى قياس الحاضر على الغائب في تشبيه وضع بوضع أو حالة بحالة أو موقف بموقف، أو إخراج المتصور إلى حيز المدرك. ومرد الثانية إلى أحداث أو أفعال لم تقع وإنما هي من إنشاء الخيال واختراعه، فالمحاكاة تنقسم"من جهة ما تخيل الشيء بواسطة أو بغير واسطة قسمين: قسم يخيل لك فيه الشيء نفسه بأوصافه التي تحاكيه، وقسم يخيل لك الشيء في غيره" (27) . وبرغم أن القرطاجني ينقل عن الفلاسفة، فيجعل عمل المحاكي شبيهًا بعمل المرآة ويذهب إلى أن المحاكاة الفنية هي محاكاة المحاكاة"وكما أن المحاكي باليد قد يمثل صورة الشيء نحتًا أو خطًا فتعرف المصور بالصورة، وقد يتخذ مرآة يبدي لك بها تمثال تلك الصورة المتشكل في المرآة، فكذلك الشاعر تارة يخيل لك صورة الشيء بصفاته نفسه، وتارة يخيلها لك بصفات شيء آخر هي مماثلة لصفات ذلك الشيء... فيعرف الشيء بما يحاكيه أو بما يحاكي ما يحاكيه..." (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت