وقد أجبنا إجابة جزئية عن هذا السؤال في كلامنا على مكانة المترجمين من العربية إلى اللاتينية، الذين أتاحوا للعلماء الأوروبيين الاقتباس من هذه المصادر الناقلة لعلم العصور القديمة والذي حفظه وطوره وأخصبه العرب. وترجمت أجيال عديدة من المترجمين، بدءًا بقسطنطين الإفريقي وانتهاء بآرنو الفيلنوفي ماينوف على أربعين مؤلفًا عربيًا، ساهم في خدمتها وأفاد منها إفادة منهجية بضع علماء أوروبيين، من جون دنس سكوت (John Duns Scot) (توفي عام 1308) حتى غي دو شولياك (Guy de Chauliac) (توفي عام 1370) .
ونجد عند سارتون (Sarton) وتورنديك (Thorndike) وكيبرا (Kibre) جردًا، لم يكتمل بعد، بالترجمات والمختصرات والتعليقات والتعديلات التي عرفها الغرب منذ فجر نهضته العلمية. ولم تستغل بعض الملاحظات الطبية الأصلية في الغرب إلا في القرن السادس عشر. وهذا شأن نظرية الدورة الدموية الرئوية، التي وضحها في القرن الثالث عشر الطبيبان الدمشقيان، ابن القف (51) (توفي عام 1286) ، وابن النفيس (52) (توفي عام 1288) ، ويبدو أن هذه النظرية لم تعرف في الغرب إلا في مطلع القرن السادس عشر، واضطلع بها العالم الإيطالي أندريا ألباغو (Andrea A lpago) (53) (توفي عام 1522) أو ابن أخيه باولو الباغو (Paolo) (14) ويمكننا هنا أن نعدد تعدادًا مضاعفًا كثيرًا من المراجع عن دراسات جزئية تفصيلية لمعاينات الأطباء العرب الطبية السريرية لم يعمل فيها إلا بعد قرنين أو ثلاثة في أوروبا.
وقس على ذلك ملاحظات ابن القف، المذكور آنفًا، في علم الأجنة، في كتابه جامع الغرض (15) ، وملاحظات في الأمراض البولية قام بدراستها شبيس (O. Spies) ومولر بوتو (H. Muller-Butow) ومواد أخرى طريفة سنطلع عليها في الفقرات التالية.
2-تأثير علم العقاقير العربي في أوروبا الوسيطة: