قبل الإجابة نقول: أما المحقق فلم يكلف نفسه عناء التحقيق في هذه المسألة. إنما اكتفى -كما قلنا- بأن أخذ جمعين من الجموع الأربعة السابقة عن اللسان؛ وهما: (أجْراءٌ، وأجْرِيَةٌ) ، وضمهما إلى الجمعين اللذين ذكرهما سيبويه في كتابه؛ وهما: (أجْرٍ، وجِرَاءٌ) . وكان عليه أن يتحقق قبل القيام بهذا العمل إن كانت (أجْراءٌ) -مثلًا- أو (أجْرِيَةٌ) التي يستحقها (الجِرْوُ) أم لا.
ومهما يكن من أمر فإن ما فعله المحقق لا يهمنا الآن؛ لأننا -كما قلنا سابقًا- لسنا في معرض نقد التحقيق العلمي للكتاب، ولو أن القارئ قد يشعر من طريقة العرض بشيء من هذا. إنما الذي يهمنا هنا هو السؤال الذي طرحناه قبل قليل؛ إذ إنه محور مقالتنا هذه ولعل الإجابة عنه تكمن في وِقْفَةٍ متأنية على نص اللسان السابق، بالإضافة إلى أمور أُخَرَ تساعدنا على الدرس والتحليل؛ للوصول إلى بغيتنا المنشودة.
الحق أن كلام ابن منظور السابق يقفنا أمام أحد احتمالين:
1-إما أن يكون المراد أن كل لغة من اللغات الثلاث السابقة (الجِرْوِ، والجَرْوِ، الجُرْوِ) تستحق الجموع الأربعة التي ذكرها ابن منظور في النص السابق.
2-وإما أن يكون المراد أن اللغات الثلاث تستحق جميعها الجموع الأربعة السابقة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن (الجُرْوَ) -مثلًا- الذي هو بلغة الضم يستحق كل هذه الجموع. (إنما يستحق منها جمعًا واحدًا هو(أجْراءٌ) فقط. وقس على ذلك (الجِرْوَ بلغة الكسر، والجَرْوَ بلغة الفتح) . وعليه فإن ابن منظور يكون قد ذكر الجموع الأربعة للغات الثلاث دون أن يعمد إلى الفصل الدقيق بين كل لغة وما تستحقه من الجموع الخاصة بها (8) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي الاحتمالين هو الصحيح بالقياس إلى هذه المسألة ونظائرها؟ وأقول: نظائرها؛ لأن معجماتنا العربية قد حوت من هذا الذي نحن فيه الكثير.