على أنه قد يقول قائل بعد هذا: إن الجموع الثلاثة (أجْريًا، وجِراءً، وأجْراءً) قد نالت حظها من الدرس والتحليل؛ بحيث نالت كل لغة من اللغات الثلاث الخاصة بـ (الجرو) ما تستحقه من هذه الجموع السابقة. ولكن ما بال الجمع الرابع (أجْرِيَةٍ) الذي لم نشهد له أثرًا في الدراسة السابقة الذكر، حتى لكأني به جمعٌ لا مفرد له أو... كذا وكذا؟!
الحق أن الإمام اللغوي الجوهري (ت: 392هـ) قد كفانا مؤونة البحث في هذا الجمع الأخير؛ هذا الجمع الذي قال عنه ابن منظور -كما مر معنا- في لسانه:
"... وأجرِيَةٌ؛ هذه عن اللِّحيانيِّ، وهي نادرة" (18) وقد تابعه على هذا الرأي الزبيدي (ت: 1205هـ) في تاجه (19) . فها هو ذا الجوهري يقول لنا في صحاحه ما نصه:"والجِرْوُ والجُرْوُ: ولدُ الكلب والسباع، والجمعُ: أجْرٍ... وجِرَاءٌ. وجمعُ الجِرَاءِ أجْرِيَةٌ" (20) .
إذًا: يرى الجوهري أن (أجْرِيَةً) هذه إنما هي جمع لـ (جِرَاءٍ) ؛ وهذا يعني أن (أجْرِيَةً) إنما هي من صيغ (جَمْعِ الجَمْع) في العربية. وقد تابعه على هذا الرأي بعض أهل اللغة من القدامى والمحدثين (21) . وهذا الذي ذهب إليه الجوهري لا خَطَلَ فيه، ولو أن (جِرَاءً) من جموع الكثرة، وقد جمعه على (أجْرِيَةٍ) القلة؛ ذلك أن هناك غير نَحْويٍّ عندما عرض لباب (جَمْع الجَمْع) في كتابه ذكر فيه غير مثال من جموع الكثرة التي نالت حظها من الجمع أيضًا، كما هي الحال مع جموع القلة تمامًا، فها هو ذا سيبويه-مثلًا- يقول لنا في كتابه في أثناء حديثه عن (باب جَمْعِ الجَمْع) ما نصه:"وقالوا: جِمَالٌ، وجَمَائل ... وقد قالوا: جمالات، فجمعوها بالتاء كما قالوا: رجَالاتٌ، وقالوا كلاباتٌ. ومثل ذلك: بُيُوتاتٌ... ومثل ذلك: الحُمُراتُ والطُّرُقاتُ والجُزُراتُ..." (22) .