ولا يعنينا في هذا السياق أن نخوض في مسألة رواية الشعر من أطرافها مجتمعة، فهذا مبحث مستقل بنفسه، بيد أننا نرجح أن رواية الشعر أصل قائم بذاته (9) . وقد يقتضي موضوعنا الإفاضة قليلًا في أمور تتصل بهذا الفن وبالصور التي اتخذها جمع الشعر وشرحه والأسس التي جرى عليها القدماء في هذه العملية المتميزة في تاريخ الشعر العربي، وخاصة العباسي منه. والمسوِّغ في ذلك أن اختلاف الشروح والقراءات يرجع في جانب منه كبير إلى اختلاف طرق رواية الشعر وجمعه، وإلى ما دخل عليه في بعض حقبه من عبث وانتحال. وأول ما يسترعي انتباهنا بهذا الصدد أن الكتابة والتدوين كانا جانبًا أساسيًا في حركة"الرواية الأدبية"التي عرفها العرب، بسبب من تلك النقلة الحضارية التي عاشوها في أواخر العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، وأن تكوين الشعر عندهم مرَّ بمرحلتين متميزتين: مرحلة أولى شملت شعر المحدثين، وانتهت بنهاية القرن الثالث، وهي مرحلة النشأة. ومرحلة ثانية بدأت مع أبي بكر الصولي وأضرابه منذ بدايات القرن الرابع. وهي مرحلة متطورة من حيث الجمع والتنظيم، كان فيها للرواة والشرَّاح منادح واسعة، في جمع الشعر وشرحه، فقد استوت هذه الصنعة واطَّردت أحكامها وقواعدها، دون أن يقف نموها وتطورها عند الحد الذي وقف به علماء عصر النشأة والتأسيس، فقد كان ثمة سعي دؤوب إلى مايمكن أن نسميه"إعادة ترتيب العلاقة بالنص الشعري"، لم يفتر على توالي العصور، كما نتبين عند ابن المستوفي في المقدمة حيث خصص جزءًا منها لطريقته في رواية شعر الشاعرين.