فهرس الكتاب

الصفحة 11834 من 23694

وابن المستوفي إذ يبين الأسباب التي دفعته إلى شرح شعر الشاعرين أبي تمام والمتنبي، إنما يصل شرحه بمدار هذه المسألة ويشجه بها:"فإني وجدت الناس كثيرًا ما يتجاذبون القول في ما أشكل من معاني أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وأبي الطيب أحمد بن الحسين الجعفي لميلهما كثيرًا عن الطبع إلى التكلف، وعدولهما غالبًا عن العفو إلى المستكره، إلا أن أبا الطيب أعظمهما معنى مستغلقًا وأكثرهما تركيبًا مستبهمًا، والناس في شعره اثنان: محام عنه مفرط ومتعصب عليه مفرط. وكلاهما متجاوز به حده، غال فيه حكمه، دفاعًا عنه، ومتحاملًا عليه، وهم مع ذلك عن معانيه أشد سؤالًا وأكثر في كل مقام مقالًا..." (24) . ولكن ابن المستوفي وإن كان لا يماري في هذا الحكم النقدي ولا يدفع عنه، فإنه يتخطى تلك المنهجية التي جعلت أكثر كتب الموازنات ترسف في قيود من أبيات متفرقة ونتف متبعثرة، إلى منهجية قوامها الموازنة بين الشروح أو القراءات على مساحة تتسع لقصائد الشاعرين ولمعظم أبياتها، مماجعله يدرك أن المعنى سياقي لا يتوصل إليه إلا من خلال تفاعل الإمكانات التفسيرية في كامل الكلام. والحقيقة التي ينبغي تأكيدها ها هنا أن ابن المستوفي عندما حدد الدافع إلى شرحه على هذا النحو، وحرر سبيله على هذه المنهجية، منهجية"الشرح الموازن"، إنما كان يستقل شعر الشاعرين في رحاب صناعة الشعر عند العرب. وفي ضوء هذه الصناعة ومقوماتها يمكن أن نفهم الكيفية التي يدير بها مصطلحات مثل الطبع والتكلف والعفو والمستكره. وقد يقتضي هذا منا وقفة عجلى عند مفهوم الصناعة وإيماءات الشارح إلى المعنى المستغلق والتركيب المستبهم في شعر الشاعرين. وما نميل إليه، على وفرة الدراسات المخصوصة بهذه الموضوعات قديمًا وحديثًا، أن صناعة الشعر عند العرب لا تزال تغري بالبحث وتدفع إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت