فهرس الكتاب
وقد نلمس في كلامه شيئًا من الجاحظ ومن قدامة، خاصة في تقريره مزية النص الأدبي،"فكما أن محالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناها وكما لو أنَّا فضلنا خاتمًا على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود أو فضة أنفس لم يكن ذلك تفضيلًا له من حيث هو خاتم. كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتًا على بيت من أجل معناها أن لا يكون تفضيلًا له من حيث هو شعر وكلام". (28) . ولا يشذ حازم القرطاجني (ت. 684هـ) ، عن هؤلاء فإن مصطلح الصناعة يفيض في مواضع كثيرة من كتابه:" وكما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة، وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها، وإن كان تخطيطها صحيحًا، فكذلك الألفاظ الرديئة والتآليف المتنافرة، وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة فإنا نجد السمع يتأذى بمرور تلك الألفاظ الرديئة القبيحة التأليف عليها، يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وأحكام التأليف أكيدة جدًا". (29) . ولعل أهم ما نظفر به من هذه الآراء التي اضطررنا إلى انتزاعها من سياقها، أن مصطلح"الصناعة"هو المفتاح الذي يتيح لنا النفاذ إلى مجمل القضايا التي أثارها شعر أبي تمام والمتنبي.