فهرس الكتاب
فالقول بأن الشعر صناعة تترتب عليه نتائج تشمل ماهية الشعر نفسه وعلاقته بقائله ومعايير تلقيه وتقويمه. ومن هنا فإن قراءة هاتيك الآراء قراءة"أخرى"تقتضي أن أكثر النقاد العرب نباهة رأوا الشعر علمًا حاصلًا بالدربة والتمرن تضبطه قواعد وقوانين خاصة به. وليس العلم سوى لحمة الصناعة التي تحكم عناصر الشعر وتلئمها. وبذلك ينتقل الشعر عند هؤلاء، من أجواء الغيب والإلهام والوحي والتوقيف، إلى عالم اليقين اللغوي الحافل، فهو قول بشري، ولكنه"من نوع مخصص"، فتعاين صناعته، من ثمة، من جهة الصانع مثلما تعاين من جهة المصنوع، أي على أساس من علاقة التملك وانتماء المصنوع إلى الصانع. وقد لا نماري في أن هذه الرؤية إنما توضحت وتعززت عند القدماء، بتأثير من النص القرآني، فهو الذي أدار فعل"عَلِمَ"في مواضع مختلفة، لا لينفي شبهة الشعر عن النَّبيَّ وابتغائه له فحسب، وإنما ليقيم حدًا فاصلًا بين لغة الوحي ولغة الشعر، بين الكلام المتعالي المعجز الذي لا يقلد، والكلام الشعري الذي يمكن أن يكتسب بالدربة والتمرن، وربما بسبب من هذه الرؤية، تحررت المقولة المعروفة:"إن الشعر ديوان العرب وعلمهم الذي لم يكن لهم علم أصح منه". وشاعت عند نقاد العرب وفلاسفتهم مقارنة صناعة الشعر وأثره في النفوس بصناعات الفنون الأخرى، كما نرى عند الذين تقدم ذكرهم، أو عند الفارابي الذي يناسب بين صناعة الشعر وصناعة التزويق ويرى أن فعليهما جميعًا التشبيه، وغرضيهما إيقاع المحاكيات في أوهام الناس وحواسهم، وإن كان موضع الأولى الأقاويل وموضع الثانية التزويق (30) .