فهرس الكتاب

الصفحة 11838 من 23694

وكان من الطبيعي أن ينظر إلى المصنوع من جهتي الجودة والرداءة، كما هو الأمر في كل صناعة، وإلى الصانع من حيث هو"منتج أقاويل"ليس له أن يدعي فعل الكلام وملكه، إلا إذا صنع وأجاد الصنعة."لأن الشاعر ليس يوصف بأن يكون صادقًا بل إنما يراد منه إذا أخذ في معنى من المعاني كائنًا ماكان أن يجيده في وقته الحاضر" (31) ، وعليه فإن المطبوع والمصنوع ليسا نوعين من الشعر مفصولين كليهما الواحد عن الآخر، على قدر ماهما مستويان من مستويات الكتابة الشعرية. فكل مطبوع مصنوع وليس كل مصنوع مطبوعًا، ولئن انتصر كثير من القدماء للمطبوع فليس لخلوَه من الصنعة، وإنما لقدرة صاحبه على إخفاء الصنعة، بحيث يبدو الكلام كأنه مرسل على السجية. وهذا ماتمثله عبد القاهر بوضوح كبير، فقد رأى المعنى الشعري في"ترتيب الكلم على طريقة معلومة، وحصولها على صورة من التأليف مخصوصة". فأقر بالصنعة، ولكنه جعل الصور البيانية والبديعية جزءًا من المعنى، واستحسن ألاَّ يفتعلها الشاعر ولا يصطنعها وإنما يتركها تجري وفق قوانينها الداخلية"ولن تجد أيمن طائرًا وأحسن أولًا وآخرًا وأهدى إلى الإحسان وأجلب للاستحسان من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إن تركت وما تريد لم تكتسبن إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها، فإما أن تضع في نفسك أنه لابد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت فيه بعرض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذام". (32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت