فهرس الكتاب
وقد لا نمانع في أن الأمر يرجع في جانب منه إلى مزاج ابن المستوفي وخاصة أمره كما يذهب إلى ذلك محقق الكتاب فـ"من المعروف عن الرجل أنه تولى ديوان الاستيفاء وللاستيفاء يومئذٍ منزلة رفيعة في مناصب الدولة، وبذلك تحققت له البراعة في علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه،ويخيل إلي أن هذا أحدث أثره في ذهنية الرجل فظهر في معالجته لمسائل الأدب واللغة والضبط والقياس" (45) ، وقدنرد هذه القراءة الوصفية"المحايدة"في جانب آخر منها إلى الحقبة الزمنية الفاصلة بين ابن المستوفي وشراح شعر الشاعرين وهي حقبة قد تكون امتصت شدة الحملة على"شعر المعاني"وعنفها فلم يعد موضع اتهام، بقدر ما غدا موضع اهتمام. وابو تمام إنما أثار ما أثار عند القدماء، بسبب من حفاوته بالبديع وتحمله من كل جهة واجتلابه المعاني الغامضة الدقيقة التي"لا يعرف ولا يعلم غرضه منها إلا بعد الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس" (46) ، حتى إذا وفد المتنبي على الشعر العربي، كان أكثر من شاعر قد أتى الشعر من الباب الذي فتح أبو تمام، فلم يواجهوا تلك الحملة التي واجهها فاتحه، ولا تصدى لهم علماء اللغة والكتاب والبلاغيون كماتصدوا له، فقد تقلب"شعر المعاني"في العالمين وتقررت سننه واستقر ما جرى عليه من أفانين القول وألوانه.