فهرس الكتاب
ولكن المتنبي لم يسلم من مآخذ المعترضين عليه، وهم كما يقول القاضي الجرجاني:"أحد رجلين، إما نحوي لا بصر له بصناعة الشعر، فهو يتعرض من انتقاد المعاني لما يدل على نقصه ويكشف عن استحكام جهله.. أو معنوي مدقق لا علم له بالإعراب ولا اتساع له في اللغة، فهو ينكر الشيء الظاهر وينقم الأمر البين" (47) ، غير أن هذه الأدلة التي تتأول منهج ابن المستوفي في الشرح، فترجعه إلى شخصيته ومزاجه أو إلى الحقبة الفاصلة بينه وبين شراح شعر الشاعرين، هي مما يطرقه الاحتمال ويحفه الشك. ولذلك نفضّل أن نستدل على المنهج بالشرح نفسه ففيه ما يسوغ طرحنا ويجعلنا نطمئن إلى أن ابن المستوفي في أخذه بالأصول وفي استدراكاته عليها إنما هو يستخدم أدوات العمود الشعري ويستنير بعباراته. والرأي الذي نميل إليه أن هذه النظرية التي حددت عناصر القصيدة كإصابة الوصف والمقاربة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له... ووضعت لها عيارات كالعقل الصحيح والفهم الثاقب والطبع والاستعمال والفطنة وحسن التقدير هي نظرية في حد الشعر، وفي نقده حقًا. ولم يكن هدفها مجرد التأصيل والدعوة إلى الاحتذاء، وإنما أيضًا اصطناع الأدوات والعيارات التي من شأنها أن تساعد في إيضاح المعنى حتى لا يستعصي ويفلت من التحديد، وليس لنا أن نغفل عن أن أحد"واضعي"، هذه النظرية هو القاضي الجرجاني.
وهو لم يصرح عن رأيه في صلة المتنبي بعمود الشعر، والثاني هو أبو علي المرزوقي، ولسنا نحتاج إلى التذكير بانتصاره لأبي تمام، فقد خص أدبه بثلاثة كتب هي: شرحه كتاب"الحماسة"و"الانتصار لأبي تمام من ظلمته"، و"شرح المشكل من شعر أبي تمام". وقد أثبت ابن المستوفي المصدرين الأخيرين في مقدمته ونقل منهما في أكثر من موضع. ولعل هذه الأمثلة القليلة التي نسوقها أن تكون خير ما يكشف عن"بنية الأصل والاستدراك"، في شرح ابن المستوفي فهو يستدرك على شرح الصولي بيت أبي تمام: