ـ إن فن شرح الشعر عند القدماء، وبخاصة عند شراح شعر أبي تمام والمتنبي لم يكن يجري على وتيرة واحدة، فهو يحوي تيارات مختلفة تتفاعل فيها الثوابت والمتغيرات. ولكنه يظل برغم ذلك مشدودًا إلى مكونات فكرية أي منظومة آراء ومثل وأفكار ومعتقدات ورواسم. وهي في مجموعها الأفق الذي تنامى فيه هذا الشرح، منذ أن جلس ابن إسحاق (ت. 117هـ) . يفسر الشعر ويفتي فيه"وإنما نفتي فيما استتر من معاني الشعر وأشكل من غريبه وإعرابه بفتوى سمعناها من غيرنا أو اجتهدنا فيها آراءنا". (59) . وهذه المكونات كما حاولنا أن نتبينها من خلال"النظام"تدين إلى سلطة معرفية"دينية"شكلت النسيج الداخلي لمختلف مصادر القراءة، فليس الربط بين الشرح وفن رواية الشعر عند ابن المستوفي إلا ناجمًا، ومن وجهة نظرنا، عن علم"الجرح والتعديل"، (60) وهو من فروع علم رجال الأحاديث، فكما أوجبت معرفة وجوه المعاني الدينية من وجهة النقل والرواية عند علماء الحديث التمييز بين العدول الناقلة والرواة وثقاتهم، بين من تقبل روايته ومن ترد روايته وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل، أوجبت معرفة المعاني المستغلقة في شعر أبي تمام والمتنبي عند ابن المستوفي وغيره من الشراح التثبت في صحة رواية الشعر، والتحري في النقل، وقد أشرنا إلى متابعته الصارمة لتسلسل الأسانيد حتى يصل بها إلى أبي تمام والمتنبي نفسيهما. وهذا نهج لا ينهجه بهذه الصرامة وهذه الدقة إلا علماء الحديث. ولعل هذا الملحظ أن يتعزز أكثر بالمنهج الذي أخذ به الشارح وهو منهج يراوح بين التفسير والتأويل بين النقل والعقل، فالشرح ليس مجرد إبانة وكشف لمدلول كلام بكلام آخر (61) . وإنما هو مستوى من مستويات القراءة يتيح للشارح أن يتأول المتشابه في كلام الشاعر فيصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل.