وهذا التأويل يتخذ عند ابن المستوفي كما هو الشأن عند أكثر شراح شعر أبي تمام والمتنبي، صورة"التحول المقيد"بأحكام اللغة وعادة الاستعمال فيها وما تجوزه من صور التحول وما تسوغه. ولذلك نجد الشارح يتوخاه بحذر شديد فهو لا يصرف البيت إلى المعنى المرجوح إلا إذا قام دليل قاطع على أن الظاهر ممتنع. وهو في ذلك إنما يأخذ بتلك الضوابط والقواعد الصارمة التي وضعها فقهاء اللغة وعلماء الدين حتى لا يُستخدم التأويل في غير ما أجيز له ولا يتخذ صيغة"التحرر المطلق"من القواعد والاستعمالات التي أقروها للمجاز. فقد يؤدي فهم معين للنص إلى جرح يأباه مقصده. وفي تقديرنا أن التاريخ لِـ"جمالية التلقي"عند قراء شعر أبي تمام والمتنبي وغيرهما من شعراء العربية القدماء، واستجلاء مكوناتها، يستلزم بحوثًا معمقة في أمر"التناسب الوضعي"، الذي كان يربط بين الفنون أو العلوم المتنوعة في وحدة الثقافة العربية الإسلامية، وهو التناسب"الذي بمقتضاه اتخذ كل فن من الفنون: الشعرية والأدبية والحكمية، زيادة على كيانه الذاتي، قوامًا تناسبيًا في ما يصل عامة الفنون بعضها ببعض، في الغايات العملية، الراجعة إلى عمود الثقافة الإسلامية وهو المعرفة العالمية الكلية، فإن كل علم من العلوم قد اكتسب من استناده إلى العلوم الأخرى من فصيلته ومن غير فصيلته ماجعله في غاياته واستمداداته، مرتبطًا بوضع عام تتصرف بمقتضاه العلوم تصرفًا تناسبيًا توالديًا". بتعبير الشيخ الفاضل بن عاشور. (62) .