فهرس الكتاب

الصفحة 11855 من 23694

ـ إن نظرية العمود الشعري التي يتنقصها كثير أو قليل من النقاد والشعراء المعاصرين، لا ينبغي أن تضللنا بشأنها السمعيات المقررة والدعاوى المهمومة، فهي تكشف عن طاقات كبيرة في إضاءة النص الشعري القديم. وبالتالي فلا غرابة إن اتسعت عند ابن المستوفي وغيره لِـ"مذهب الصنعة"، في الشعر، أو"شعر المعاني"فقد حددها المرزوقي،"ليتميز تليد الصنعة من الطريف، وقديم نظام القريض من الحديث... ويعلم فرق مابين المصنوع والمطبوع". (63) . ومن ثم لم تكن تبطن عند كل الذين أخذوا بها نفيًا للتفرد أو تنكرًا للمعاني الخاصة فتطبيقاتها تختلف باختلاف الشراح والنقاد، فقد جعل الآمدي ميزة امرئ القيس الكبرى في المعاني المبتكرة، ولكنه لم يستسغ هذا الابتكار في شعر أبي تمام. وقد لا يضمر موقفه هذا تناقضًا [2] ، فالآمدي يقرّ بأن لطائف المعاني موجودة في كل أمة وفي كل لغة ولكنه يحددها بشروط كالسبك الجيد واللفظ الحسن وحسن التأتي وقرب المأخذ... و"مشكلته"مع أبي تمام تعود إلى طريقة هذا الشاعر، و"إغراقه في طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارات وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها.... ولو أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة... لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر الشعراء المتأخرين" (64) . ولعل قراءة النظرية قراءة متأنية أن تعزز ما نذهب إليه من أن هذه النظرية أولت عنايتها للقول الشعري في ذاته أكثر مما أولته لمقوله، فكان"المعنى"عند الآخذين بالعمود ليس إلا ذريعة، ومن يأتي بلطيف المعاني يصح أن يسمى حكيمًا أو فيلسوفًا، ولكن لا يسمى شاعرًا لأن طريقته ليست على طريقة العرب ومذهبه ليس على مذهبهم، كما يقول الآمدي (65) ، وعليه نقرر أن مزية أنصار العمود إنما تكمن في هذا الكشف عن طرائق الشعراء في التصرف باللغة وفي اللغة أي"كيفية القول الشعري".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت