ولم يكن غريبًا إذن أن يتنبه أبو علي المرزوقي إلى ما أسماه"أهل المعاني"بالتصوير في شعر أبي تمام، وأن يتميز في مقدمة"الحماسة"على ذلك النحو الباهر، مذهب أبي تمام في المختارات من مذهبه في الشعر، فيقول:"إن أبا تمام كان يختار ما يختار لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته، والفرق بين ما يشتهى وبين ما يستجاد ظاهر بدلالة أن العارف بالبزّ قد يشتهي ما لا يستجيده وأن يستجيد ما لا يشتهي لبسه، وعلى ذلك حال جميع أعراض الدنيا من العقلاء والعارفين بها في الإجادة والاشتهاء". (66) .
وفي الإشارة إلى أن الشهوة مبعث على قول الشعر ما يدل على أن نظرية العمود لم تغفل القوى النفسية ذات الشأن في إنتاج الشعر وفي اقتران المعاني بالانفعالات. ولعل إدراك المرزوقي هذا الجانب في صناعة الشعر عند أبي تمام هو من بين الأسباب التي جعلته يأخذ في شرحه بالمعاني المتعددة، فيستخدم في أكثر من موضع هذا الفعل الدال:"يجوز أن يكون أراد... ويجوز أن....". فهيأ لابن المستوفي مادة أدبية غزيرة مكنته من الموازنة بين مختلف الشروح، وجعلته يداخل الشعر مداخلته. ولذلك فإن اسم المرزوقي لا يرد في"النظام"إلاَّ مقرونًا بعبارات التوقير، فإذا جاء ذكره قال عنه:"قال أبو علي أدام الله عزَّه... أو: قال الشيخ أدام الله عزَّه....".