اكتشف السرد في خضم الموقف من التجريب، فقد نفى كثيرون اختلاط الحداثة بالتجريب، بينما وجد بعضهم في التجريب أفقًا للحداثة. حذر محمد صالح الجابري من غلبة الشكل في القصة العربية،"فالقصة تكاد تفقد المضمون في سبيل الشكل"، واستغرب محمد زفزاف ذلك الولع الزائد بالأسلوب"يقصد الشكل"، والشيء الذي يقرب القصة من المقالة. إنهم يهتمون بالجملة عوض أن يهتموا بالنص القصصي ككل. الكاتب المشرقي تغريه اللغة.
أما محمود شقير، فهو يرى:"أن نوعية التجريب قد طغت على إنتاج بعض الكتاب العرب، إما لأن الشكل القديم السائد في القصة القصيرة لم يعد قادرًا على احتمال المضامين الجديدة التي تطرحها الحياة وإما لأن بعض الكتّاب أنفسهم يرغبون في التجديد". ويريد شقير تجريبًا مشروطًا: أن يرتكز على أسس موضوعية وسليمة وصحيحة، مما يكشف عن جرأة القصة العربية في اقتحام الحدود المتعارف عليها. ومن ناحية أخرى. دافع آخرون عن التجريب باعتباره فضيلة حداثية بحد ذاته. قال عادل أبو شنب:"الكتابة تجريب دائم".
وقال أحمد إبراهيم الفقيه:"إنها القصة المغامرة، الشوق المدمر لمعرفة السر، واستكشاف المجهول، القصة التي هي ليست قصة". (9) .
لقد رأى عبد الرحمن منيف أن التجريب ومحاولات تجديد السرد قادت كثيرًا من القصاصين إلى الغربية، إن صح التعبير، غربية بأجوائها وناسها وموضوعاتها، وكأنها موجهة للغرب أيضًا. وإذا كان الغرب قد أثنى على براعتها فقد اعتبرها صدى له، وامتدادًا لروايته، وبالتالي، لا تشكل إضافة أو اختلافًا. وفي مواجهة هذه الموجة، وربما كرد فعل، خاصة في السنين الأخيرة، ومن خلال تزايد الحديث عن التراث، وإمكانية الاستفادة منه استغلاله، فقد ظهرت مجموعة من الروايات التي استعارت عصورًا مظلمة وكتابات من نمط معين لتعيد إحياءها واستخدامها، (يقصد محاولات جمال الغيطاني) .