"إنها تستنفد تفكيري، أحلامي الشخصية... آمالي، تستنفد كل شيء، ولا تقدم لي إلا مردودًا ماديًا لو وزعته على الأيام لما زاد عن فنجان قهوة، لولا إحساسي أنني أسقط عليها فعاليتي الاجتماعية، وخيبتي بالقياس إلى المواطنين الآخرين من أمثالي لكان عليّ أن أحاول بيع الفجل، كتابة الرواية تعني أن يقدم الروائي ذاته قربانًا بلا مقابل، إلا ما يغبط به نفسه، ويريح ضميره".
تفيد الشهادات السابقة جميعها أن الحداثة ـ كما يفهمها الأديب العربي ـ عقلنة للوعي من أجل فاعلية أقوى للذات ـ وضد الذات ـ وضد جموح الذات، ومن أجل تأصيل الذات. إن الحداثة"بعد مفهومي"وليس"بعدًا زمنيًا"، لأنها وعي الكتابة لأسلوبها ووظيفتها في التاريخ، اتفاقًا مع أكثر التعبيرات الحضارية (11) .
مارس كُتاب القصة العربية الحديثة نصهم الأدبي وأعينهم على إنجاز الغرب التقني، ولكنهم لم يغفلوا عن معطى التراث القصصي، فمر التأصيل ـ التحديث نحو اكتشاف السرد بمرحلتين:
ـ تغليب الأشكال القصصية التراثية على التجربة القصصية كرد فعل لهيمنة الغرب، وذكرنا أمثلة كثيرة لذلك.
ثم أصبح شاغل الأجيال الجديدة من كتاب القصة الذين طلعوا بقوة في أواخر الستينات حتى صاروا إلى تيارات غالبة على الكتابة القصصية والروائية العربية في العقدين الأخيرين.
ـ النظر إلى القصة على أنها فن يتكون في أجناس وأشكال، والمعول في ذلك هو السرد، وأن هناك سردًا عربيًا ما يزال يحتفظ بإمكاناته الثرة والهائلة في تحديث القصة العربية، وانطلق هذا النظر من العناية بإبراز الأشكال القصصية التراثية في التجربة القصصية إلى اكتشاف قوانين السرد نفسها، فإذا كان"الخبر"أو"الحكاية"، أو"السيرة الشطارية"، أو"الكتاب القصصي"، أشكالًا قصصية قابلة للاستعمال كليًا أو جزئيًا، ابتسارًا أو تكييفًا، فإن هذه الأشكال تقوم على السرد، وإن المعول في بناء القصة، أي قصة، هو تقنيات السرد.