وغني عن القول، إن الشعر كان متداخلًا مع القصة بأشكالها المختلفة في التراث العربي، بل إن شعراء عربًا قدامى معروفين قد صاغوا قصصًا شعرية كثيرة كعنترة بن شداد وامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة والحطيئة وجميل بثينة وعمر بن أبي ربيعة و أبي نواس والبحتري وغيرهم، ويضاف إلى ذلك أن التقاليد الأدبية العربية لم تقصر القصة على النثر والشعر في القصة، وكان هذا جليًا في الانبعاث الحضاري والنهوض الأدبي في مرحلة النشوء والتخلق في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهناك عشرات الأعمال القصصية التي كتبت شعرًا في مجال القصص الوعظية أولًا، وفي موضوعات القصة المختلفة ثانيًا، وفي الاتجاهات الفنية المختلفة كالواقعية والرومانسية والرمزية ثالثًا، وفي عمود الشعر التقليدي وأشكال التجديد التي لحقته فيما سمي الشعر الحر أو قصيدة النثر. ويستفاد من الإقرار بحقية الاتساع في كتابة القصة الشعرية في الأدب العربي الحديث أن التقاليد الأدبية العربية مازالت معطى إبداعيًا وقوميًا قابلًا للاستمرار والتطوير، وأن الموروث السردي العربي ذو خصوصية في الشغل القصصي العربي الحديث.
لقد كانت استعادة الموروث السردي الأدبي من أوسع عمليات تحديث القصة العربية وتأصيلها في الوقت نفسه، فجرى استعمال تقنيات السرد الجاحظي والتوحيدي والأصفهاني وسواهم، في التركيز على بناء الأحدوثة إيجازًا أو استطرادًا في تركيب وحدات قصصية منفصلة أو متصلة بالوحدة العضوية لبنية القص، قصة قصيرة أو رواية.
وقد ولج هذا الباب بقوة في منتصف الستينات إميل حبيبي في (سداسية الأيام الستة) ، ونماه وطوره في أعماله التالية:"الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل".