"وأنا لولا ثلاثٌ لم أحفل متى قام عودي: لولا أن أنفر في السَّرية، وأقسم بالسوية، وأعدل بالقضية (2) . فيالها من بلاغة على بلاغة. وانظر كيف علق ذلك الخليفة الملحق بالخلفاء الراشدين ـ عليهم جميعًا رضوان الله ـ على ما سمع، وكيف قابل مُثُل الجاهلية، بمثُل الإسلام، في اللفظ الرائع، والتعبير المبين، والتوازن الموسيقي العجيب، وانظر الأدب هنا بكل معانيه، فلم يهاجم عمر ـ رحمه الله ـ طرفة، ولا مُنشده، ولم يتقبح ولم يتمعر ولم يتسخط، لكن، بكل نفس كريمة، وحلمٍ زاكٍ، وجلال أولياء، قابل بهدى ضلالًا، وبحكمة غناء، وبإسلام جاهلية، فيالهم من أدباء، وياله من فن من الأدب جليل وهو صغير."
ولقد روى الجِهشياري قال:
"... أهدى زياد إلى معاوية هدايا كثيرة، وكان فيها عقد جوهر نفيس، فأعجب به معاوية، فلما رأى ذلك زياد قال له: يا أمير المؤمنين، دوخت لك العراق، وجبيت لك برها وبحرها، وغثها وسمينها، وحملت إليك لُبّها وقشورها، فقال له يزيد: لئن فعلت ذلك لقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى عز قريش، ومن عُبيد إلى أبي سفيان، ومن القلم إلى المنابر، وما أمكنك ما اعتدَدْت به إلا بنا، فقال له معاوية: حسبك؛ وريت بك زنادي" (3) .
واضح هنا أن النص الأول من قطعة"البلاغة على البلاغة"هذه ينتهي عند قول يزيد: .... إلا بنا. والنص الثاني المعلِّق الذي يكون في العادة موجزًا وخاطفًا هو قول سيدنا معاوية رضي الله عنه: حسبك وريت بك زنادي.