فهرس الكتاب

الصفحة 12010 من 23694

وهل يشك في جوهره؟

تلك هي المقولة التي كانت الشام تراها أبدًا طارئة وعارضة.

وكانت أبدًا قادرة على أن تتمثل الجميع.. وتستوعب الجميع.

وتلك ميزة من ميزات المدن العظيمة التي تؤلف نسيجها الحضاري الخاص عبر العصور، وتتجاوز بها العصور.

في كلتا الفرحتين عشت مع مدينتي العظيمة أيامًا لا أجمل ولا أحلى..

في كلتا الفرحتين كانت أحلامنا العربية تثبت ريشها القوي في الأجنحة، وتطير بنا إلى المستقبل.. إلى الأمل المنشود.. الذي داعب -وما يزال يداعب- خيال كل عربي في السر أو في العلن: الوحدة، الوطن العربي الواحد.. الذي تزول فيه الحدود والسدود التي لم يكن لهذه الأمة يد في صنعها.. لا من قريب ولا من بعيد.

في كلتا الفرحتين كانت لي، كغيري من الشعراء، قصائد وأغان وأهازيج.. انتثرت في مجموعاتي الشعرية، ولا أرى مجالًا الآن لاستعادتها واستعراضها.

بعض هذه الأحلام الجميلة تكسَّرَ..

وبعضها ما يزال أجملِ ما في حياتنا..

تباركَ الحُزْنُ.. يُغْوي جمْرتي أبدًا

إذا انتهى بالرمادِ اليأسُ والحَزَنُ

إني أصِرُّ على رؤيا تُمزّقُني

كلُّ القرابين في نيرانها امْتُحِنوا

وأعود في عام 1967 لأستقر في دمشق..

عاصمة العطر والضوء والياسمين تحتضن هذه المرة طفلها القديم المشرد، ليهدأ فيها مع زوجة وأولاد، يحبونها مثله، ويجدون فيها الأفق الأرحب الذي يتنفسون فيه.

في قبو صغير جميل تحف به"جنينة"صغيرة من الخارج والداخل، وتعرش على سوره الخارجي شجرة ياسمين تمد رأسها حتى تكاد تغطي الرصيف، وتنازعها السور الصغير شجرة ليمون عطرة تنافس الياسمينة، بما توزع من أريج يستقبل كل هابط إلى قبونا..

في هذا القبو حللت منذ عام النكسة.. وما أزال.

شجرات النارنج الثلاث التي تحتل حوض التراب في الداخل هي ملتقى العصافير كل صباح.. وليس أشعر ولا أطرب من عصافير دمشق عند الصباح..

أذكر أني أهديت إليها ذات يوم خاطرة شعرية منثورة تقول:

أيتها المخلوقات الصغيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت