فهرس الكتاب

الصفحة 12012 من 23694

وآخذ بيد ابنتي ونهبط سريعًا لنغوص في قلب دمشق، نجتاز شوارعها القديمة التي تحمل نكهة التاريخ.

وأقف مع الصغيرة بعد قليل على عتبة الجامع الأموي..

حيث يتجسد جلال الماضي كله أمامك، وأنت تجتاز العتبة، لتدخل هذا الحرم الذي يضم بين جناحيه ذكريات أضخم إمبراطورية عرفها العالم القديم.

من هذه العتبة.. من هذا المسجد العظيم.. مسجد بني أمية يا بنيتي.. كانت جحافل الفتح العربي تنطلق حاملة عقيدتها ولغتها وأشعارها لتركزها شامخة، مضيئة، هادية ما بين الأندلس وسور الصين.. وما تزال حتى الساعة تترك بصماتها الحزينة بين الأندلس وسور الصين.

من هنا.. من دمشق..

كنا نحمل راياتنا العربية لنقول كلمتنا للعالم..

ربما وقفت الصغيرة يومئذ حائرة أمام كلماتي هذه، ولم تفهمها كما ينبغي. ولكني كنت واثقًا أنها كانت شديدة التأثر بما ترى وتشهد، إلى حد أنها شدتني من يدي، وقادتني في صمت إلى داخل المسجد العظيم، تريد أن تتأمل كل شيء فيه.

ورحم الله شوقي:

لولا دمشق.. لما كانت طُلَيْطِلَةٌ

ولا زهَتْ ببني العبَّاس بَغْدانُ

وخرجنا من زيارة الجامع العظيم..

الصغيرة تريد أن ترى قبر صلاح الدين.. بل حطين..

لقد قرأت بعض قصص الأطفال عنه..

وهي تعرف أنه مدفون في دمشق.

ولم يكن قبر صلاح الدين بعيدًا عنا.

فما هي إلا خطوات.. حتى كنا أمام ضريح محرر القدس، وداحر جيوش الغزو الفرنجي القديم، صلاح الدين الأيوبي، يلفه الصمت، وتجلله هيبة الماضي، في هذا الركن الهادئ من أحياء دمشق القديمة.

وتُصر ابنتي الصغيرة أن ألتقط لها صورة، أمام قبر البطل التاريخي، تحتفظ بها ذكرى ثمينة، من ذكرياتها التي تحرص عليها، وتعتز بها، فأنفّذ لها رغبتها الطفولية التي كانت تحمل -دون أن تدري- معنى ارتباط الحفدة بالأجداد.

نعم، يا بنتي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت