فهرس الكتاب

الصفحة 12040 من 23694

ولنعد إلى متاجر دمشق: فهذه لا يصدق وصفها الذي لم يرها بأم عينه، وذلك بسبب كثرة التجار والصناع في المدينة بأجمعها، داخلها وخارجها. لا يمكن تصور شيء غير موجود في الضواحي. فأجمل ما في الدنيا وأنبله وأشده إتقان صنعة موجودة هناك. فلو أنك سرت متفرجًا لرأيت المصنوعات الرائعة الأنيقة الدقيقة التي تغريك، بحيث لو أنك كنت تخفي نقودك في قصبة رجلك لما ترددت في كسرها وإخراج النقود لشراء بعض ما هناك. فإن خيالك لن يمكنه أن يتصور شيئًا وبأي شكل كان إلا وجدته هناك. فالأقمشة الحريرية الكثيرة من أي نوع أو لون تجدها هناك على أفضل وأجمل ما يعرفه العالم. وثمة كميات كبيرة من الأقطان، من أجمل ما في العالم، بحيث لو شاهدها أحد الناس، ولم يكن خبيرًا، لحسبها حريرًا لما هي عليه من النعومة واللمعان والدقة والجمال. والبروكار أيضًا متوفر في الأسواق. وما أكثر ما يصنع هناك من طسوت النحاس وأباريقه التي تبدو كأنها من الذهب، وكلها مزخرفة بنقوش من الأشكال والأوراق، كما يعمل من الفضة أشياء فنية جميلة تسرّ العين لرؤيتها.

والواقع أن محاولة وصف المتاجر الكثيرة الموجودة في دمشق قد تربك الكاتب، ولكن قد يقع الذي لم يرها في ارتباك وحيرة أ شد. وحتى لو رغب الواحد في تعداد الصناعات وأصناف الأشياء الموجودة، لاضطر إلى الإطالة إلى ما لا قبل له به. إذ إنه بالإضافة إلى ما ذكر فإن أسواق دمشق فيها الحجارة الكريمة والجواهر والأفاويه التي تأتيها من الهند. وقد قال المسيحيون العارفون بهذه الأمور بأن ما في دمشق من المتاجر يكفي حاجات العالم المسيحي سنة كاملة. ولك أن تتصور ما أجمل هذا كله عندما تقع العين عليه: أما اللسان فيعجز عن القول، كما يعجز العقل عن التصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت