فهرس الكتاب
وكان الحنابلة ذوي نفوذ وقوة واضحين في القرون السابع والثامن والتاسع (الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) ، وقد كان للهجرتين اللتين ذكرتا من قبل أثر في ذلك: هجرة جماعة ابن قدامة الذين تركوا بيوتهم قرب نابلس واستقروا في دمشق، ومجيء أسرة ابن تيمية التي جاءت من حران في شمال سورية. وقد ظهر في بني قدامة عدد من العلماء والدارسين الذين كانت خدماتهم العلمية جمع الفقه ووضع المصنفات الموسوعية فيه. وأسرة ابن تيمية (تو 728/1328) الذي لعله كان أكبر فقيه في أيامه، فهو يمثل الفئة الثانية، بعد أئمة السنّة الأربعة الأوائل، التي يعود إليها الفضل في إعادة النشاط إلى الدروس الإسلامية الشرعية، وتصنيف بعض ما سبق للفقهاء أن قدموه من آراء هامة، وتطبيق المنطق الحديث على بعض القضايا التي لم تكن قد خطرت لأسلافهم من قبل. وقد يكون في الإشارة إلى ابن تيمية وصحبه على أنهم مصلحون بعض المبالغة. ولكن أثرهم، وخاصة أثر ابن تيمية نفسه، يمكن ملاحظته في آراء المصلحين من المسلمين حتى يوم الناس هذا.
وسنتناول التصوف بالحديث أولًا ثم نعود إلى العلماء الأعلام. ولعله من المناسب أن نولي الإمام الغزالي ملاحظة هنا، لأنه هو الذي أعاد التصوف إلى حظيرة الإسلام السني، ولو أ ن ذلك لم يمنع من قيام صوفيين كانت لهم شطحات تخالف ما توصل إليه الغزالي المتوفى سنة 505هـ/ 1111م.
وقد فصل الغزالي موقفه من التصوف في كتابه (المنقذ من الضلال) ، ذلك أنه قد درس أقوال الحكماء والفلاسفة وغيرهم من أهل الفكر، ثم انتهى الأمر به أن أقبل على طريق الصوفية وخبر أمورها علمًا وعملًا، وأخيرًا لما أحس بعجزه، على ما يقول:"ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري؛ التجأت إلى الله التجاء المضطر الذي لا حيلة له. فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه. وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب."