فهرس الكتاب
وقد ترتب على هذه النقلة أن أوجد الغزالي"للمواقف الباطنية الداخلية مكانًا في مجال الإسلام الرسمي، فكان جنبًا إلى جنب مع الشريعة والكلام". إلا أن الغزالي جعل التصوف سنيًا، لأن ما قبِله من التصوف لم يكن التصوف المتطرف. وقد ارتأى أ.ج. أربري أنه منذ أيام الغزالي أصبح بإمكان نوع هادئ من التصوف أن يحتل مكانًا بين العلوم الإسلامية. إلا أن هذا القول يقابله استثناءات متعددة، كابن تيمية، عالم دمشق في ذلك العصر، الذي كان شديد الحملة على التصوف. ولنا إلى هذا الموضوع عودة.
كان التصوف الإسلامي، في القرن السابع (الثالث عشرة) ، قد كون ثيوصوفيته، الخاصة المبنية على أساس فكرة الكلمة، والتي أصبحت فيما بعد فكرة الحقيقة المحمدية. وقد كان لصوفيين كبيرين الفضل في نشرها وهما: ابن الفارض (المتوفى في القاهرة سنة 633/ 1235) وابن عربي (المتوفى في دمشق سنة 638/1240) . وكانت دمشق بين القرنين السابع (الثالث عشر) والتاسع (الخامس عشر) مركزًا هامًا لناحيتي التفكير الإسلامي: السنَّة والشريعة من جهة والتصوف من جهة أخرى، وكانت كفة الناحية الأولى أرجح في غالب الأحيان.
وقد كانت ثمة عوامل كثيرة أدت إلى ذلك، منها النظام الجديد الذي ظهر في هذه الرقعة من العالم الإسلامي. لكن يجب أن نذكر الآن أن خطر الغزو المغولي، الذي تحقق لما احتل هؤلاء بغداد، حمل كثيرين من العلماء على الهجرة من العاصمة العباسية متجهين غربًا، وكانت دمشق المكان الطبيعي الذي يلقون عصا التسيار فيه. كما أن الرعاية التي كان آل زنكي والأيوبيون وبعض سلاطين المماليك يسبغونها على العلماء، جذبت كثيرين منهم فانتقلوا من شمال العراق إلى دمشق. فأسرة ابن تيمية انتقلت إلى دمشق وعالم المستقبل كان لا يزال طفلًا، لكن أباه وجده كانا من العلماء المرموقين. ويبدو أن القاهرة لم تجذب أهل الفكر دومًا في تلك العصور.