فهرس الكتاب

الصفحة 12046 من 23694

ثانيًا: كانت التربية أساسها فهم النظام الذي بذل العلماء جهدًا في إقامته ومن ثم فقد ضاقت حلقات المتعلمين واقتصرت موضوعات التعليم: ويلاحظ الباحث أن الكثير من كتب العقائد لم تكن أكثر من شروح وتفاسير لكتاب واحد أو ذيول له. ومن حيث أن المجتمع الإسلامي لم يتلق، في القرن السابع (الثالث عشر) أو بعده، تيارات فكرية من الخارج، فإن الحياة الفكرية لم تعرف الحوافز أو البواعث التي تحملها على الانطلاق. ذلك أن التوازن الداخلي القائم وجد في الفقه المعاصر له ما يلزمه لسد حاجاته. وكان لابد من ضغط خارجي لإحداث رد فعل يؤدي إلى تبديل الوضع، ومثل هذا الضغط لم يشهده العصر المملوكي (4) .

ثالثًا: كان ثمة شعور عام بأن العمل في حقل الفقه هو العمل العلمي الأصيل. ولعل من أطرف ما وصلنا مما يدل على هذا الأمر أن ياقوت لما وضع مؤلفه الثمين"إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب"اعتذر عن ذلك في مقدمته بقوله:

"وإني لجد عالم ببغيض يندد ويزري عليّ، ويقبل بوجه اللائمة إلي؛ ممن قد أشرب الجهل قلبه، واستعصى على كرم السجية لبه، يزعم أن الاشتغال بأمر الدين أهم، ونفعه في الدنيا والآخرة أعم. أما علم أن النفوس مختلفة الطبائع، متلونة النزائع؛ ولو اشتغل الناس كلهم بنوع من العلم واحد لضاع باقيه، ودرس الذي يليه. وإن الله جلّ وعزّ جعل لكم علم من يحفظ جملته، وينظم جوهرته؛ والمرء ميسر لما خلق. ولست أنكر أني لو لزمت مسجدي ومصلاي، واشتغلت بما يعود بعاقبة دنياي في أخراي أولى، وبطريق السلامة في الآخرة أحرى، ولكن طلب الأفضل مفقود، واعتماد الأحرى غير موجود، وحسبك بالمرء فضلًا أن لا يأتي محظورًا، ولا يسلك طريقًا وعيرًا" (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت