فهرس الكتاب
نود أن نتوقف قليلًا عند ابن عربي أولًا لأنه من كبار أهل التصوف في عصره، وثانيًا لأنه قضى السنوات العشرين الأخيرة من حياته في دمشق، حيث وضع جزءًا كبيرًا من خير مصنفاته.
ولد ابن عربي في مرسية من أعمال الأندلس سنة 560/1165 وتلقى علوم الحديث والفقه في لشبونة وإشبيلية وسبتة وأطال التجوال في شمال أفريقية. ومع أنه كان قد تعرف إلى الصوفية من قبل، فإنه انضم إلى المتصوفة في تونس، ويبدو أن هذا الاتجاه الجديد في حياته هو الذي حمله على الاتجاه شرقًا إذ إن عصر الموحدين لم يكن يتقبل مثل الآراء التي كان ابن عربي يقول بها. فضلًا عن أنه، مثل غيره من أهل الورع من المسلمين، رغب في أداء فريضة الحج. وقد كان بلغ الثامنة والثلاثين من عمره لما بدأ رحلته إلى المشرق.
ولم تكن إقامته في مصر هينة، فقد هدد في حياته غير مرة، لكن مكة راقته وطابت له صحبة أهلها والواردين عليها من الحجاج، فأقام هناك ثماني سنوات عكف أثناءها على التأليف والتدريس. وقد تم له أثناءها إقامة مذهبه التأملي. وقد زار فيما بعد بغداد التي أعجبته لكنه لم يقم فيها طويلًا -ولعله أحس بالأخطار المحدقة بالعاصمة العباسية من الشرق. وبعد تجوال قصير في آسية الصغرى ألقى عصا الترحال في دمشق، وفيها توفي سنة 638/1240.
حظي ابن عربي في دمشق بكل ما يمكن أن يطمع فيه من لقاء طيب وعيش رغيد ورعاية أولي الأمر، وكان في ذلك خير له ولنا. وكان بين الذين أفاؤوا عليه الرعاية ابن الزكي قاضي القضاة، الذي كان يقوم على خدمة الصوفي الكبير بنفسه. وكان جو دمشق الحرّ نسبيًا، إذا قورن بالقاهرة والغرب الإسلامي، مما راق ابن عربي فحمله على العمل الفكري الجدي -إذ إنه أتمَّ وهو في دمشق"الفتوحات المكية"و"فصوص الحكم".