فهرس الكتاب
ويمكن تقصي المدى الذي تأثر فيه المتصوفة بابن عربي في أكثر من اتجاه واحد. فحتى أولئك الذين لم يقبلوا، أو تظاهروا بأنهم لم يقبلوا، نظرته بألوهية الكون كثيرًا ما عبوا من معينه وخاصة آراءه في الحب، وحتى القاهرة، التي أفضَّت مضاجعه أثناء إقامته فيها، وجدت فيما بعد الكثير عنده، ونجد أنه في نهاية القرن السابع (الثالث عشر) أصبح جماعة من المتصوفة في القاهرة من أشد المؤيدين لآرائه. وحتى العلماء حفزهم ابن عربي على العمل، لأنهم انصرفوا إلى نقده، وما كان ذلك بالأمر اليسير، في تقييم آرائه بسبب تنوع ما مرَّ به من التجارب الروحية والتأملات وعمقها.
5-ابن تيمية:
العلوم الشرعية هي التي كانت طلبة أهل العلم في العصر الذي نتحدث عنه. ونحن نعتزم أن نمثل على هؤلاء بالحديث عن ابن تيمية، لكننا نود أن نشير إلى عالم كبير سبقه هو الموفّق، الذي رافق أسرة بني قدامة في هجرتها من فلسطين (الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي) وكان صبيًا. وكان أبوه أول معلميه، ثم أخذ العلم عن بعض علماء دمشق، ورحل بعد ذلك إلى بغداد والموصل ومكة حيث لقي العلماء وأخذ عنهم، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره لمّا استقر في دمشق نهائيًا، وانصرف إلى التعليم والتأليف حتى وفاته سنة 620/1223. وكان عدد كبير من الطلبة يحضر دروسه، بينهم جماعة بلغوا من العلم درجات عالية. كان الموفّق حنبليًا واشتهر بالفقه، وخلّف لنا"المغني"وهو كتاب في الفقه في عشرة مجلدات. وميزة الكتاب هو أن مؤلفه كان يقارن فيه بين نظرة الحنابلة وآراء غيرهم من أهل السنة، ومن ثم فالقارئ يجد فيه الفقه المقارن. وقد قيل عن الموفّق إنه كاد أن يبلغ مرتبة الاجتهاد.