فهرس الكتاب

الصفحة 12052 من 23694

وابن تيمية مثل حسن لتبيين أثر العالم المتين الخلق في شؤون الدولة والمجتمع، على ما يتضح من بضعة حوادث منتزعة من حياته. لما رأى الخطر المغولي المحدق بالبلد سنة 697/1298، تحدث إلى الناس عن شؤون الجهاد، فكان حديثه أوقع في النفوس من أوامر السلطان. ولما احتل المغول دمشق بقيادة قازان، كان ابن تيمية الذي حض أرجواش، نائب القلعة، على وجوب الامتناع عن تسليمها، وقد ذهب ابن تيمية إلى النبك، بصحبة نفر من أعيان دمشق، للقاء قازان والحصول على أمان لأهل المدينة. وبعد رحيل جيش قازان من دمشق طاف ابن تيمية وأتباعه على حوانيت الخمور يكسِّرون آنية الخمر ويهرقون محتوياتها على الأرض، ويعزرون أصحاب الحانات. وقد رافق ابن تيمية حملتين عسكريتين إلى كسروان بلبنان في أوائل القرن الثامن (الرابع عشر) ، وقبل معركة شقحب (سنة 701/1302) ذهب إلى الجيش وتحدث إلى الجند عن الوحدة والنصر واستوثق من أن الأمراء وغيرهم أقسموا على الإخلاص، وأوضح لهم شرعية قتال المغول، ولو أن هؤلاء كانوا مسلمين مثل أهل سورية.

قدمنا هذه الأمثلة لنوضح الدور الذي كان العلماء يقومون به في الحياة العامة. فإذا أضفنا إلى ذلك نشاطاتهم الفكرية، لا يتولانا العجب إذا نحن وجدنا أن حظهم في إرشاد القوم وتوجيه قضاياه المختلفة كان كبيرًا.

وقد كانت دمشق في أيام المماليك تعج بالعلماء، فقد هاجروا إليها من الجزيرة وبغداد وفلسطين، وتقبلتهم دمشق مشجعة وأفاءت عليهم من خيراتها وأمنها، ومنحتهم الفرصة لينموا اهتمامهم العلمي.

وتميز ابن تيمية (661-728/ 1263-1328) بأنه ارتفع إلى مستوى القضايا المطروحة يومها وعالجها بمعرفة وصراحة وواجهها مواجهة ألمعيّة. وحياة ابن تيمية بالذات نموذج يحتذى في مجابهته للصعاب متى اقتنع بالحق في مسألة ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت