فهرس الكتاب
كان أ حمد ابن تيمية قد بلغ السابعة من عمره لما رحلت أسرته من حرَّان في الجزيرة إلى دمشق، خشية تكرر الهجمات المغولية. وقد أصبحت دمشق في القرن السادس (الثاني عشر) مركزًا للفقه الحنبلي، الأمر الذي تقوى بعد سقوط بغداد سنة 656/1258، ولما كانت أسرة أحمد حنبلية، فقد أتيح له من أول الأمر، أن يأخذ العلم عن خير المدرسين الحنابلة في تلك الفترة، فالمدارس الحنبلية كانت قد دربت فقهاء ومتكلمين ومفسرين ومحدثين يشار إليهم بالبنان، وكان علماء الحنابلة يولون الخطب في المساجد والمدارس والزوايا عناية كبيرة، وكان ابن تيمية ينمو مع هذه الأمور كلها كأنه جزء منها، ولما كان في الثامنة والعشرين من عمره خلف أباه، وكان قد توفي في السنة السابقة، في التدريس، وكان هذا اعترافًا بمقدرته، وذاعت شهرة دروسه لا بين السنّة فحسب، ولكن بين الشيعة الذين حضروها.
وكان العصر الذي عاش فيه يسيطر عليه المذهب الأشعري ومسحة من التصوف مع استعداد تام لقبول النظرة التقليدية في الشؤون العامة، وكان ابن تيمية خصمًا لهذه جميعها، وقد أثار عليها منذ أول الأمر، حربًا عوانًا، وهذا هو الذي جعله يعتبر"مصلحًا".
وقد قام بدور فعال في حياة مدينته وجماعته، وأثارت"قسوته"في مهاجمة خصومه كثيرًا من ردود الفعل العنيفة، فاتهمه هؤلاء بالعناد وطلبوا أن تنزل به العقوبة، ومن ثم فقد صرف الرجل سنوات من حياته في سجون القاهرة ودمشق، حتى إن السنوات الأخيرة من حياته قضاها في قلعة دمشق وتوفي فيها.
لم يكن ابن تيمية عالمًا يكتفي بالتعليم والتصنيف، بل كان أيضًا، مثل عدد كبير من الحنابلة عبر التاريخ، متفاعلًا مع بيئته، فقد أخذ على عاتقه أن يتأكد من أن الناس، كبيرهم قبل صغيرهم، كانوا يحافظون على الآداب الإسلامية في تصرفهم. هذا كان من واجبات المحتسب، لكن ابن تيمية كان (بتوظيفه نفسه بنفسه) محتسبًا فعالًا نشيطًا.