فهرس الكتاب
أما من الناحية الاقتصادية فقد كان على الدولة أن تحمي الأمة ضد الاحتكارات وتدليس التجار. ومراقبة الأسعار كانت جائزة عندما يكون المقصود منها مساعدة الناس في الحصول على حقهم -في أيام القحط والعوز. وقد قبل ابن تيمية أن تتدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية للمجتمع لضمانة حاجاته فقط. وإذن فقد كان جائزًا أن يكلف البعض القيام بأعمال تجارية أو زراعية أو في حالة الحرب على أن يكون ذلك لقاء تعويض، وعلى أن لا يتأذى أحد بسببها.
ولم يكن ابن تيمية يحبذ الاقتصاد الفردي، لأن الفرد لم يكن السيد المطلق في تصرفاته. فهو من الجهة الواحدة خاضع لتعليم الإسلام ومن الجهة الثانية جزء من الأمة، مرتبط بها.
9-الخاتمة:
لقد ترك علماء عصر المماليك أثرًا لا في معاصريهم فحسب بل تعداهم إلى الأجيال التي تلت. وفي هذا المجال يبدو اسم ابن تيمية في طليعة المصلحين في ذلك العصر، وذلك بسبب نشاطه ودقة تفكيره وصفاء أسلوبه (بالنسبة إلى الفقهاء وأهل الشرع) وصراحته. وقد كان أتباع ابن تيمية كثيرين، ومن أبرزهم ابن قيم الجوزية (توفي سنة 751/1350) . وممن تأثر بآراء ابن تيمية من غير الحنابلة نذكر الذهبي وابن كثير وابن حجر، وهم ثلاثة من كبار المؤرخين العلماء. وقد كان تأثير ابن تيمية في مصر كبيرًا حتى في حياته.
ومن الجدير بالذكر أنه لما سمع بعض علماء بغداد، العاصمة التي دمرها هولاكو قبل ذلك بسبعين سنة، بأن ابن تيمية معرّض للسجن في قلعة دمشق كتبوا إلى السلطان الناصر يرجونه في قضية شيخ الإسلام. وقد جاء في رسالتهم أنه لما بلغ المشارقة وأهل الولايات العراقية الشرقية بأن شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية مسجون، حزّ ذلك في نفوسهم. ولما أدرك علماء تلك النواحي مدى المأساة كتبوا إلى السلطان مؤيدين الشيخ في فتاواه، مشيدين بعلمه وفضله، مدافعين عن دينه وحرصه على نصح الأمراء المسلمين بما يتوجب عليهم نحو الإسلام.