فهرس الكتاب
من المعروف أن أول إنجاز كبير حققه العرب في هذا الحقل يعود إلى عصر الرازي (85) الذي توصل إلى معرفة العلاقة بين الأعراض الجلدية لبعض الأمراض والأعراض العامة لهذه الأمراض نفسها، فهو الذي ربط بين الآلام والحمى باعتبار أنها أعراض متعممة وبين الأعراض الجلدية لمرض الجدري. وقد قاده ذلك إلى التفريق بين الجدري والحصبة. وإضافة إلى ذلك فإن الرازي -نتيجة مراقبته لسير المرض- تمكن من وصف التغيرات التي تطرأ على التظاهرات الجلدية للأمراض. ففرق بين الحويصل المائي الذي يتبدّى على الجلد وبين النفاطات أو التظاهرات الأخرى المشابهة. كما أنه ربط بين الظاهرة الجلدية في مرحلة البدء وبين الظاهرة نفسها في مرحلة التقيح أو التقشر (86) وأكد أنها ظاهرة لمرض واحد.
ويشهد جميع مؤرخي الطب للرازي بهذا الفضل في تاريخ الطب. ولعل هذا العمل الذي قام به الرازي قد ساهم في ذيوع صيت هذا الطبيب في أوروبا اللاتينية والحديثة.
وقد سار الأطباء العرب على نهج الرازي وتمتعوا بعين سريرة متفحصة ونظرة ثاقبة وطول أناة في متابعة سير المرض وتطور أعراضه.
وقد خطا ابن الجزارالقيرواني (87) خطوة متقدمة على هذا السبيل إذ ألف كتابًا في (الفروق بين الأمراض) (88) يعتبر من أقدم الأعمال في علم التشخيص التفريقي.
ولم يقصر أطباء دمشق في هذا العصر في مجال هذا العلم، فلجؤوا إلى فحص بول المريض وإلى جس نبضه وإلى وصف شكل الحمى التي يعاني منها (89) . واستفادوا من الفروق بين هذه التظاهرات لوضع التشخيص الدقيق.
كما أنهم تمكنوا من التفريق بين الأشكال السهلة للأمراض النفسية أو العصبية والأشكال الأخطر، وعلى ذلك فإن المرضى العقليين كانوا يعاملون في بيمارستانات الشام معاملة لائقة فهم مرضى في عرف المجتمع وليسوا مجانين أو أشرارًا أو ضحايا للأرواح الشريرة (90) .