فهرس الكتاب
وفي الحقيقة فإن التقاليد العلمية في الأندلس كانت قد عرفت منذ القديم ظاهرة الرحلة المشرقية، فقد اعتاد العلماء على المجيء إلى الشرق في طريقهم إلى الحج. وقد استفادوا من رحلة الحج هذه فحرصوا على التعرف إلى زملائهم في المهنة، أو أنهم سمعوا من بعض شيوخ الحواضر الشرقية دروسًا مختلفة قبل عودتهم إلى ديارهم، وربما طاب لبعضهم العيش في بعض مدن الشرق فاستقر بها وتوفي هناك.
وقد أحضر علماء الأندلس من الشرق إلى الأندلس إثر عودتهم الكثير من الكتب العلمية، كما اصطحب بعضهم كتب الأندلس إلى الشرق.
وهكذا فقد أتيح للطلبة والأطباء في الشرق والغرب على السواء الاطلاع على الكتب الصادرة من شتى الأقطار العربية.
وقد خطا العلم خطوتين هامتين نتيجة لجهود العلماء العرب: أولهما أن الصيادلة والعشابين أضافوا في كتبهم الأدوية التي لم يعرفها الإغريق فصار الكتاب شاملًا وافيًا (96) .
وثاني هذه الخطوات هو تعريف البلدان المختلفة بالنباتات الطبية التي لا تنبت إلا في البلدان الأخرى، والحديث عن وصفها النباتي وتأثيرها الدوائي ومزاياها العلاجية.
وعلى ذلك فقد صار العلماء مضطرين إلى معرفة اسم النبات الواحد باللغات العديدة المستعملة في الأقطار المختلفة (97) .
وقد كانت اللغة الفارسية -وأحيانًا الهندية- مستعملة لدى صيادلة الشرق إضافة إلى السريانية والعربية والإغريقية، وذلك لتعريف اسم النبات.
أما في المغرب والأندلس فقد كانت اللغة البربرية هي اللغة الأولى المستعملة إلى جانب العربية، ويضاف إليها الإغريقية واللاتينية. وعامية الأندلس.
كما أننا نجد بعض أسماء الأدوية وقد حفظ لنا في أصله القبطي أو النبطي، وفي ذلك دليل هام على عراقة استعمال هذا الدواء في بلادنا وانتشاره قبل الإسلام بكثير، رغم أننا لا نجد هذا الدواء في الكتب اليونانية.