فهرس الكتاب
أما العلم فهو (العلوم النظرية) أو (كليات الطب) : علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء، ونظريات الأمراض الخ.
وأما العمل فهو علم أيضًا ولكنه علم يُعنى بالممارسة الطبية العملية، أو السريرية، ويشمل علم الأعراض والتشخيص وعلم الأدوية وفن المداواة الخ.
وعند الكحالين تشتمل (الكليات) على علم تشريح العين وكان يسمى (خلقة العين) أو (تركيب العين) وعلم وظائف العين وكان يسمى (فعل العين) أو (الأبصار) .
وتحت باب (الأبصار) عَرَض المؤلفون العرب نظرية الأبصار التي تبناها جالينوس، فعل ذلك ابن ماسويه (122) في كتابه (دغل العين) ، وفعل ذلك أيضًا حنين ابن اسحق (123) في كتابه (العشر مقالات في العين) وهكذا.
لكن علي بن عيسى (124) عرض هذه النظرية باختصار شديد في كتابه (تذكرة الكحّالين) . وابن سينا لم يتطرق إلى ذلك في القسم المتعلق بالعين من كتابه (القانون) ، ذلك أن مفكري تلك الحقبة (نهاية القرن العاشر الميلادي وبداية القرن الحادي عشر) اعتبروا أن الاشتغال بنظرية الأبصار هو شأن فلسفي (125) يُعنى به الفيلسوف أو الطبيب -الفيلسوف (الحكيم) ، ولا ينبغي أن يتوسع الطبيب الممارس (المتطبب) في معرفته أو الاهتمام به.
وعلى ذلك فإن ابن سينا الذي لم يعرض (نظرية الأبصار) في (القانون) عرضها في كتابه الفلسفي (الشفاء) (126) .
وبعد ابن سينا صارت (نظرية الأبصار) موضوعًا بعيدًا عن اهتمام المؤلفين، وبخاصة مؤلفي كتب الكحل. وقد ظل الأمر على هذه الحال طوال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين (ق 11-12م = ق 5-6هـ) .
في مطلع القرن الثالث عشر أشار الحريري في بغداد إشارة سريعة إلى نظريات الأبصار التي تبناها الأساتذة الإغريق، وكذلك فعل خليفة بن أبي المحاسن في حلب في الربع الثالث من هذا القرن، رغم أن خليفة عبّر صراحة عن رأي ابن سينا في أن هذه المسألة ليست من اختصاص الكحال.