فهرس الكتاب
أما صلاح الدين (يحيى بن أبي الرجاء) فقد تمرد على هذا الرأي وخصص في كتابه (نور العيون..) مقالة كاملة لنظريات الأبصار (127) .
عرض يحيى بن أبي الرجاء (صلاح الدين) نظريات أصحاب الشعاع المختلفة وسمّى من الأساتذة الإغريق هيبارخوس وامبادوقلس وديموقريطس وابيقورس (ابيقور) وإقليدس، وعرض نظرية الانطباع وفصّل في شرح رأي أرسطوطاليس وابن سينا ثم عرض نظرية أفلاطون (نظرية اجتماع الضياء) .
ويتضح للقارئ المدقق تأثير صلاح الدين بما سبق أن كتبه فلوطرخس حول هذه النظريات (128) . وقد أغنى صلاح الدين كتابه بأشكال فيزيائية وضّح فيها نظريات الأبصار المختلفة هذه تذكرنا بالأشكال الواردة في كتاب إقليدس (المناظر) وأضاف أشكالًا أخرى إلى الموروث اليوناني.
أما ابن النفيس -الذي عرض هذه النظريات في كتابه (المهذب...) -فقد آثر أن يشرح نظريته الخاصة.
خصص ابن النفيس في (المهذب..) عشرة فصول لدراسة (فعل العين) ، فعرض الآراء القديمة وفنّدها، وبين كيف ينتصر أصحاب هذه النظريات لآرائهم، وردّ عليهم، ثم بين رأيه الخاص وشرحه، وذكر ما يمكن أن يسوقه الآخرون من اعتراضات على نظريته، ورد على هذه الاعتراضات.
والفرق بين ابن النفيس وصلاح الدين أن صلاح الدين عرض نظريات الآخرين عرضًا حياديًا، فلم ينتصر لأي منها. أما ابن النفيس فقد عرضها ورفضها، ووضع نظرية خاصة به.
وهنا يتبين لنا أن هذين الطبيبين كانا من طبقة (الطبيب- الفيلسوف) (129) وليس المتطبب البسيط.
تاسعًا: الموقف من النظريات الطبية
تميزت بعض المؤلفات الطبية العربية باحتوائها على أقسام مفصلة مخصصة للطب النظري، وأقسام أخرى مكرّسة للطب العملي (130) .
ولكن بعض الكتب الأخرى لم تخصص أي جزء للطب النظري، واعتُبرت بمثابة كناشات أو كتب سهلة الحمل غرضها الأساسي أن تكون بمتناول الطبيب دومًا لصغر حجمها ووضوح تبويبها.