فهرس الكتاب
وتحت حكم السلطان سليمان، تغيرت القوى السياسية، وتوطدت الدولة، وأظهرت الإدارة العثمانية بعض ملامح التنظيم. ففي عام 1525-26م/ 932هـ قام العثمانيون بأول مسح للأراضي والسكان ولضرائب دمشق؛ دمشق التي لم تعد سوى باشوية متوسطة في رحاب الإمبراطورية الكبيرة؛ لقد كرس العثمانيون دولة جديدة تتميز بازدهار الريف والمدن نتيجة للاهتمام بالفلاحين من ناحية وانطلاق التجارة من ناحية أخرى، سواء ضمن المناطق الواسعة التي أصبحت تمتد فيها الدولة العثمانية أو مع الدول المجاورة. إن الفتح العثماني لبلاد الشام بشكل عام ولبلاد الشام الجنوبية بشكل خاص، قد فتح صفحة جديدة من الازدهار في تاريخ المنطقة. والوثائق العثمانية تبرز بوضوح الاستقرار في الريف والازدهار في المدن خلال السنوات الخمسين الأولى للحكم العثماني، إذ نمَت القرى وتوسعت المدن بعد أن كادت تندثر إثر سقوط الحكم المملوكي. وهكذا أخذت تظهر الآن قرى جديدة وأخذت القرى القديمة تنتعش وتتطور، مما أدى إلى زيادة كبيرة لعدد السكان في العقود الأولى للحكم العثماني في بلاد الشام. ففي لواء دمشق على سبيل المثال، استنادًا للسجلات العثمانية زاد عدد القرى من 844 قرية سنة 1521م/ 927هـ إلى 1129 قرية في سنة 1569م / 976-77هـ بينما ازداد عدد بيوت الفلاحين من 70691 في عام 1528م/ 934- 35هـ إلى 10760 في عام 1548م/ 954- 55هـ أي بزيادة قدرها 54%.
إن هذا الازدهار الكبير للريف يبدو موازيًا للازدهار العمراني الكبير للمدن في بلاد الشام في مطلع العصر العثماني. وفي الحقيقة، كما رأينا، عانت المدن الشامية كثيرًا في القرن الأخير للحكم المملوكي، فدمشق نهبت في فتنة تيمورلنك، ثم عانت دمشق من أزمة اقتصادية كبيرة تحت ظل المماليك لدرجة أن السلطان سليم الأول حين دخل دمشق لم يدخل سوى مدينة أكثر من نصفها أطلال.