فهرس الكتاب
ومما يجدر ذكره، أن السلطان العثماني أصبح حامي الحرمين الشريفين، لذلك فقد أبدى اهتمامًا خاصًا بالحج إلى مكة نتيجة الدور المتزايد الذي أخذ يلعبه طريق الحج الشامي منذ بداية العصر العثماني. فمع ضم بلاد الشام للإمبراطورية العثمانية ومع توسعها في جنوب شرق أوربا وانتشار الإسلام فيها، أصبحت قافلة الحج الشامي واحدة من أهم قافلتين للحج في ذلك الوقت، وأضحت تضم الحجاج من الشام والأناضول والبلقان بالإضافة إلى حجاج العراق وآسيا الوسطى، مما كان يعني عمليًا تجمع حوالي 20- 60 ألف حاج سنويًا في دمشق. وقد كان عبور هذا العدد الضخم خلال بلاد الشام من أقصاها إلى أقصاها. والإقامة في المدن الواقعة على الطريق وخاصة دمشق التي كان يتجمع فيها جميع هؤلاء ومن ثم ينطلقون معًا، يؤدي إلى تنشيط الحياة التجارية خلال عدة شهور في كل عام. وبالفعل فإن قافلة الحج الشامي كانت قافلة للتجارة أيضًا، إذ كان بعض الحجاج يعمدون إلى ممارسة التجارة في الطريق لتغطية نفقاته، وهكذا وجدنا أن بضائع البلقان والأناضول وآسيا الوسطى تتجمع في دمشق، حيث يتم تداول بعضها، بينما يتابع الآخر طريقه إلى الحجاز، ويتكرر الأمر مع بضائع الحجاز والشام في طريق العودة إلى الأناضول والبلقان وآسيا الوسطى. ومن الطبيعي أن تستفيد جميع المدن الواقعة على هذا الطريق من قافلة الحج الشامي، وبشكل خاص دمشق، فقد تأثرت البنية العمرانية لدمشق كثيرًا باتجاه طريق الحج الذي تسلكه القافلة بالتوسع المستمر نحو الجنوب. إن هذا السيل المتدفق السنوي المتكرر جلب نشاطًا تجاريًا كثيفًا، وكان الحجاج ينتهزون فرصة بقائهم في هذه المحطة العمرانية للتهيؤ لعبور الصحراء، لذلك كانوا بحاجة لشراء الدواب من سوق الخيل وكذلك مواد التخييم، وعليهم أن يتمونوا بما يبقى لديهم لثلاثة أشهر من الزاد.