فهرس الكتاب

الصفحة 12322 من 23694

ومن طريف الأمور أن أحد جيرانه كان رسامًا، لكنه كان يبيع البن أيضًا. ولكن أي رسام هو؟ كان المرء يأتيه بصورة شمسية أو ضوئية -والتصوير الضوئي كان قليلًا في ذلك الزمن -فيغطي سطحها بمربعات متناهية الصغر.. ثم ينقل الملامح حسب تلك المربعات، إلى رقعة كبيرة، فوق حامل ثلاثي يحتل صدر الدكان، وبعد ساعات يعطي الصورة الكبيرة.. طبق ملامح الأخرى الصغيرة تمامًا.. وفي الذاكرة وجهه البيضوي الأسمر، يتوسطه أنفه الأقنى، وتحته شاربان أسودان دقيقان وخطهما الشيب قليلًا.. وفوق عينيه نظارة طبية سوداء أنيقة. وكنت أشعر أن وجوده نشاز وسط تلك الأوركسترا الشعبية المتناغمة.. ولعل هذا هو السر في أن إقامته لم تستمر طويلًا في الحي..

بين المعالم التي تبدلت في الحي عدة أبنية متجاورة هدمت جميعًا، ونهض مكانها بناء حديث احتلته مدرسة ابتدائية.

كان ثمة كُتّاب أنشأه أحد أبناء الجالية الجزائرية التي هاجرت إلى دمشق في أواسط القرن الماضي، بعد أن نزح الأمير عبد القادر الجزائري واختار الإقامة في دمشق. وقد أطلق على كتّابه ذاك اسم"مدرسة الإرشاد والتعليم".

وفي أحد فصول الصيف، وضعتني أمي في هذا الكتّاب، وكنت قد أنهيت الصف الثاني الابتدائي.. ولكني لم أمكث طويلًا فيه.. وكانت الأمور تسير فيه، مثلما كانت قبل ظهور المدارس الابتدائية في دمشق: شيخ يشرف على الصف ثم يغيب.. وعريف، من صف متقدم يتولى تعليم التلاميذ. وثمة العصا الطويلة، والجلوس على حصيرة من القش على الأرض، ولوح الأردواز... الخ..

.. ومن الدور الملاصقة المهدومة دار البوارشي، وقد حول صاحبها جزءًا منها إلى مصنع صغير للسكاكر والكرميل. ومن أبناء هذا الرجل الصحفي السوري بشير البوارشي العامل في صحافة الخليج.. وكان شريكًا لنا، بل مموّلًا، لمجلة طلابية أنشأناها عام 1952 باسم"الشعلة"وصدرت منها عدة أعداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت