ودار الأرناؤوط. وكانت هذه نموذجًا ممتازًا للبيت الدمشقي، أعرفها جيدًا لأن أحد أبنائها كان صاحبًا لنا، رغم أنه يكبرني ببضع سنوات، هو المرحوم محمد الأرناؤوط: ينفتح باب الدار على دهليز طويل معتم يفضي إلى باحة الدار الواسعة، تتوسطها فسقية ماء تتدفق وسط مياه الطالع.. وفي جانبها الشرقي المطبخ والحمام ودورة المياه، وعند الجنوب تتصدر غرفتان بينهما ليوان"إيوان"تتوسطه مرآة أنيقة تدعى في دمشق"قنصلية".. وعند الزاوية الجنوبية الشرقية درج ينتهي إلى غرف الدار العليا المخصصة للمعيشة في الشتاء..
وفي الجهة الشمالية من الباحة كانت القاعة الكبرى. تدخلها من باب خشبي مشغول، فيواجهك ممشى ضيق، في نهايته فسقية ماء تنهل من الطالع ذاته، وعلى جانبها مصطبتان كبيرتان عاليتان.. في صدر كل منهما"كتبيات"خشبية مشغولة ومرسومة، وقد صفت عليها مزهريات الصيني والكؤوس الكريستالية والزبادي والكازات الزجاجية الأنيقة. أما السقف، فهو عجمي مشغول بعناية، ومزخرف بأشكال طبيعية نباتية.. وفي الحق فإن جدران الغرفة كلها كانت مغطاة بالخشب المزخرف، تتناثر في أنحائها أبيات شعرية مكتوبة بخط فارسي جميل.
وقبالة مدرسة الإرشاد والتعليم كان المدخل الغربي لدار نظام التي يجري ترميمها الآن.. وقد أذهلني يوم رأيتها في الثمانينات، أن محمصة للقضامة والبزر والفستق قد احتلت مدخلها.. أما الأقسام الأخرى، فقد كانت خربة مهجورة ينعق فيها البوم والغراب.. علمًا أن هذه الدار الكبيرة قد أنشئت في أواخر القرن الثامن عشر، ولقد رأيت لها صورة حفر"غرافيك"وضعها فنان غربي زار دمشق في أواسط القرن التاسع عشر.. وبدت فيها باحة الدار الكبرى، وبعض غرفها..
ولم يكن هذا هو المصير المؤسف لدار نظام وحدها، فتلك هي دار"آل الكسم"ودار"آل الصواف"ودار"آل القباقيبي".. وسواها كثير..