وأود هنا أن أتوقف قليلًا لأتحدث عن المنزل الذي يلي هذه الدكاكين، لأنه نموذج آخر من بيوت دمشق. كان صاحب البيت هو الخباز"فتوش"نفسه، وقد دخلته كثيرًا لأن صلة قربى تربطني بأهله، ولأن ابن صاحب الدار كان من زملاء الدراسة: ثمة خلف الباب الدهليز المعروف، ينحدر قليلًا، نحو أرض الدار، وهي صغيرة نسبيًا، وفيها غرفة الضيوف والمطبخ والحمام ودورة المياه.. وفي جانب منها درج حجري طويل، تحته فسقية ماء صغيرة، يفضي إلى عدة غرف في الأعلى.. يجيء عدد منها فوق الدكاكين المذكورة. وقد انتبه الرحالة ابن جبير منذ قرون طويلة إلى هذا التركيب في بيوت دمشق، وله عنده تفسيره الاجتماعي والعمراني..
.. وإذ نتجاوز باب هذه الدار، نصل إلى دكان"عبده الحلاق"، وكان هذا مختصًا بقلع الأضراس والأسنان إضافة إلى مهنته، وكان يختلف بذلك عن حلاق الحي الثالث"أبو ياسين الهامش"الذي كان مختصًا بالمداواة وبيع"العلق"وتعليقه أحيانًا..
أما الدكان التالية وهي الأخيرة في جادة ناصيف، فقد كانت للمبيض. والتبييض، هو إحدى المهن الهامة في دمشق القديمة، فقبل استخدام"الألومنيوم"في صنع أواني الدار من طناجر وصحون، كانت تصنع من النحاس وإذًا، فقد كان لابد من تبييضها، منعًا لأذى تفاعل النحاس الخالص، مع ما يطبخ ويوضع في تلك الأواني.