وقد كانت لي وقفات طويلة أمام دكان المبيض التي يغشّي السخام الأسود مختلف جدرانها وأنحائها. وكنت أستطرف في الدكان حفرتين، الأولى عميقة، وهي التي ينزل فيها المبيض، ليعمل، وبجانبه الكور الذي يعمل بمنفاخ هوائي، فيوهج الجمر أمامه، حيث يضع الأواني ويطليها بالقصدير.. أما الحفرة الثانية فكانت غير عميقة، وهي مخصصة لعمل يسبق التبييض، فبعض الآنية التي تراكم عليها الزمن كانت تحتاج إلى فرك، فيضعها المبيض تحت قدميه مضيفًا إليها بعض الرماد والرمل الناعم، ويأخذ يفركها بقدميه في حركة تشبه الرقص، وقد رفع سرواله الأسود، وضم فضل ثوبه الأعلى إلى خصره، في حين يتشبث بكلتا يديه بعصا غليظة غُرس طرفاها في الجدار على نحو متين. كان الرجل يراني وأنا أتأمل حركاته الراقصة الموقعة كأنه يرقص"سامبا"أو"جيرك"بلغة هذا الزمان، فيبتسم.. بحنان وعذوبة.. ثم يتابع عمله.
وبين الأماكن التي كنت أمضي وقتًا في الوقوف عندها أتفرج وأتأمل، دكان الحداد"جرجي بيلونة". وقد حدث مرة أن التقيت برجل يقاربني عمرًا، فقلت له: أعرف وجهك. لكنه لم يعرفني. وعندما أجهدت الذاكرة قليلًا، ورجعت إلى تلك الفترة من الأربعينات، قلت له بثقة: ألم تكن تعمل عند جرجي بيلونه. فقال: بلى.. كنت.. ولكن كيف تذكرني ولا أذكرك قلت: كنت أقف مليًا بجانب دكانكم أتأملكم وأنتم تعملون، تصنعون السكاكين والخناجر المجدلانية. وكان أكثر ما يثيرني في عملكم، تطعيمكم مقبض الخنجر وترصيعه بالحجارة الملونة.. كريمة كانت أو غير كريمة.